خطاب السيد عمار سعداني،
رئيس المجلس الشعبي الوطني،
بمناسبة مراسم استقبال السيد جان لوي دوبري،
رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية، بمقرّ المجلس الشعبي الوطني.
-------
21 يناير 2007
بسم الله الرحمان الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،
السيد الرئيس دوُبري ،
السادة ضيوف المجلس الشعبي الوطني الكرام،
السيدات و السادة النواب،
سعادة سفير فرنسا،
السادة الحضور الكرام،
أيتها السيدات، أيها السادة،
في الرّابع عشر من شهر
جوان سنة 2000، و بمناسبة زيارة الدولة التي قام بها لفرنسا، تم استقبال فخامة
الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بالجمعية الوطنية الفرنسية حيث ألقى أمام النواب
الفرنسيين، خطاباً تاريخياً بالمناسبة.
وفي الثالث مارس من 2003، استقبل البرلمان الجزائري بغرفـتيْـه مجتمعتيْن، رئيس
الجمهورية الفرنسية، السيد جاك شيراك ، خلال زيارة الدولة التاريخية التي قام بها
للجزائر، بدعوة من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
و اليوم، يتشرف المجلس الشعبي الوطني باستقبال أوّل النواب الفرنسيين، و أعني به،
السيد جان لوي دوبري ، و الوفد البرلماني المرافق له، و هذا في إطار زيارة هي
الأولى من نوعها لرئيس الجمعية الوطنية الفرنسية لبلادنا.
و إذا كان ليس من النادر أن يستقبل النواب الجزائريون بين ظهرانـيهم رئيسَ جمعية
وطنية أو رئيس برلمان من بلد آخر، إلا أن، في المقابل، تُعـدّ هذه المرة الأولى، في
العهدة التشريعية الخامسة للجزائر، التي يُـلـقي فيها مِن على هذا المنبر، رئيسُ
جمعية وطنية خطاباً موجهاً إلى نواب المجلس الشعبي الوطني.
إنّه لحدث استثنائي يسجله تاريخ العلاقات الجزائرية الفرنسية في سجل شهادات الصداقة
والتقدير التي يتبادلها بلدانا و شعبانا، حدث أنـوّه به لِـما يرمز إليه من لقاء
بين الشعب الجزائري والشعب الفرنسي، و لِـما يفتح من آفاق لتعزيز العلاقات التي
تربطهما ، و تكثيف المبادلات بينهما.
إن ممثلي الشعب، ليتشرّفون بمثل هذا الحدث، و إنهم لسعداء لاستقبالكم في رحاب
المجلس الشعبي الوطني.
مرحباً بكم مرّة أخرى، و الوفد المرافق لكم، على أرض وطننا.
السيد الرئيس،
إن الجزائر و فرنسا
لهما من صفات التكامل الطبيعي و صلات التقارب السياسي الجمهوري ما يمكّـنُهما،
ويحتِّم عليهما، و ما يـؤهّلهما لتخصيبها و إثرائها في إطار شراكة سياسية و
اقتصادية و ثقافية على حدّ سواء.
و ضمن هذا المنظور، فإن المجلس الشعبي الوطني يُنوّه بـما تشهده المبادلات الحكومية
من تـزايـد مستمر، و أيضا بالزيارات التي يقوم بها ، من كلا الجانبين و منذ عدة
سنوات، دبلوماسيون و مسؤولون سياسيون رفيعو المستوى من بلدينا.
و لا شكّ أن التشاور الذي شُـرع فيه في إطار هذه المبادلات، قد عـزّز تطابق وجهات
نظرنا بشأن عدد من القضايا التي تهم شعبينا و تهم العالم، كما أنه ساهم في إحداث
نوع من التناغم في الخطاب، تناغم لاحظناه بشكل خاص بشأن القضايا الهامة أذكر منها
على سبيل المثال لا الحصر، حوار الحضارات و الأديان، إقامة نظام اقتصادي أكثر
اهتماماً بمصير الفئات الأكثر حرمانًا، إشكالية التنمية في إفريقيا، الأمن في
أوروبا الذي لا يمكن فصله و تجزئته عن الأمن في البحر الأبيض المتوسط.
إن هذا التشاور مرشّح لأن يتواصل كذلك بشأن القضايا السياسيّة الحسّاسة ذات الطابع
الثنائي، و بخاصة عندما يتعلّق الأمر بترقية علاقة أكثر رصانة من جانب بلدينا،
بالنسبة لتاريخنا المشترك، و تخليص علاقاتنا وتطهيرها من الرواسب السّامة لماضٍ
أليم، و أخيراً وضع الأسس لمصالحة لا رجعة فيها.
إن القانون الفرنسي الذي صادق عليه البرلمان الفرنسي ، قبل أن يتم، بفضل مبادرتكم
الوجيهة ومبادرة رئيس الجمهورية الفرنسية، قُـلْت قـبل أن يتم إسقاط أحكامه التي
كانت محل جدال، قد صَـدم في العمق ضميرَ الشعب الجزائري التوّاق لقيم العدالة. لأن
النظام الاستعماري في الجزائر، الذي تسبّب كما تعلمون، في إخضاع و استعباد الشعب
الجزائري إلى أقصى حد، لا يمكن أن يفتخر بأي دور إيجابي، لأن ما قام به تمثّل بوجه
خاص، في طمس معالم وقيم انتماء الأمة الجزائرية، تحت نيْر الهيمنة السياسية و
العسكرية، و فـكّك كل المجتمع و شـتّـته من خلال تدنيس قيمه و تقاليده و محو ثقافته
العريقة و دينه الحنيف.
إن الاستعمار في الجزائر، كان مرادفًا أيضا لعمليات السلب والنهب بشتّى أنواعه،
وتجريد الأهالي من أراضيهم وممتلكاتهم، ومرادفا لعمليات التهجير الجماعي، والإبعاد،
والنفي، والإذلال الفردي و الجماعي، و طمسٍ للثقافة، و قـمعٍ، و لعمليات إبـادة غير
قابلة للتقادم، ولا تُغـتَـفـر.
إن الاستعمار في الجزائر كان مرادفا للتعذيب و سوء المعاملة و غير ذلك من الحقائق
الملموسة التي يتولّى التاريخ، بالتأكيد، تكييفها ووصفها في كنف الهدوء الذي يقتضيه
كل عمل ذي مصداقية يروم إلى البحث عن الحقيقة، لكنها حقائق لا يمكن أن تتجاهلها
العدالة الإنسانية، إذا لم تُرٍد الـتنكّـر لذاتها، بالسماح بتزييف التاريخ
الاستعماري في الجزائر و غيرها من البلدان.
إن الرأي الذي كان سائداً بشكلٍ واسع في حرم المجلس الشعبي الوطني هذا، هو أن هذا
القانون، بٍتَمجيده الفعل الاستعماري، كان يتناقض تماماً مع المُـثل والمبادئ التي
أعلنتها الثورة الفرنسية، و التي أصبحت أمّـتُكم، منذ ذلك التاريخ، المدافِعة عنها
و حاملة رايتها عبر العالم. كما أن ذلك القانون كان يـنحو منحىً مخالفاً لِما كان
يُـبذَل من جهود في ضفتي البحر الأبيض المتوسط، لاسيما من قِبل الرئيس عبد العزيز
بوتفليقة و الرئيس جاك شيراك، من أجل إعادة تأسيسٍ حقيقي للعلاقات الجزائرية
الفرنسية.
و أقـلُّ ما يُقال، إنه كان من غير المنطقي في نظر الجزائريين و في نظر ممثليهم
المنتخبين الحاضرين هنا، أنه في الوقت الذي كانت تـتعدّد اللقاءات الرسمية بين كبار
مسؤولي البلدين، و في الوقت الذي برزت إشارات مشجِّعة للتلاقي بين الشعبين اللذان
اختارا طيّ صفحة الماضي والتطلّع سوياً نحو المستقبل بكل عزم و ثبات، قُلت في هذا
الوقت، بدأ يبرزُ من جديد، الحـنين إلى عهد ولّـى بلا رجعة، لمحاولة الانتقام
الجنوني والوهمي من التاريخ، بشكل يئس.
لقد نهلت الثورة الجزائرية المجيدة من القيم والمبادئ العالمية ، بـحـثاً عن
العدالة والحرية، والمساواة، وكرامة الشعوب في تطلّعاتهم المشروعة إلى العيش حرّةً
و البقاء كذلك في كل مكان، وأن يكونوا أصحاب سيادة ، وأن يبقوا أسيادًا في ترسيم
مستقبلهم.
إن شرف الجزائر التي عانت الاضطهاد لمدة طويلة ، بقساوة وظلم، كان في الأوراس ، وفي
كلّ المناطق ، وفي المدن والقرى التي احتضنت ثورتها، كانت بذات الشكل الذي كان فيه
شرفُ فرنسا المضطهدة خلال الحرب العالمية الثانية، في لندن ، في منطقة فركور
(Vercors) وفي جميع المناطق الجبلية، والمدن والقرى التي احتضنت مقاومتها.
إن تحمّل الإرث التاريخي بكل تبـصّـر من خلال مواجهته، و النظر بتمعّـن فيه ، باتَ
اليوم أكثر من واجب ذاكرة، بل هو امتحان ضمير لا بدّ منه، إذا ما أردنا أن نحـوّل
نهائيًا أنظارنا نحو المستقبل، من خلال القيام بما من شأنه أن يَبعث الروح في
طموحاتنا المشتركة وتحقيقها.
هناك عوامل كثيرة تدعونا إلى مثل هذا العمل النبيل و مسؤوليتُـنا كبرلمانيين
جزائريين وفرنسيين هي أن نبذل كل ما في وسعنا للعمل على تحقيق التقارب بين
أمـتيْـنا اللتين يجمعهما نفس المصير المتوسطي .
وإذا كان من العبث إعادة التـأْريـخ ، و إذا كان من غير الممكن إعادة كتابة الماضي،
فإن مستقبل علاقاتنا ، في المقابل، لا يزال نـقـيّـاً، طاهرًا ، لا يشوبُه أيُّ
غموض أو سوء فهم، سوءُ فهم يفرضُ علينا الواجب، من الآن فصاعدا، تفادي وقوعه، من
خلال الاحترام المتبادل، والتشاور الدائم، والاستشارة المؤسسّية، والحوار السياسي
الصريح ، والصداقة التي هي أساس العمل و التي هي في الوقت ذاته وليدتُـه.
ذلكم هو، على وجه التحديد، المدلول الذي نريد معًا ، إعطاءَه للعلاقات البرلمانية
المستقبلية بين الجزائر وفرنسا، من خلال البروتوكول- الإطار للتعاون البرلماني الذي
وقّعنا عليه منذ حين، ومن خلال، وبشكل خاص، اللجنة البرلمانية المشتركة الكبرى التي
أنشأناها في إطار هذا البروتوكول.
لأن، وهذه أمنيتي الشخصية وأمنية المجلس الشعبي الوطني وكذلك أمنية السلطات العليا
في بلدي، في أن نرى التعاون السياسي الجزائري الفرنسي في بعده المزدوج، الحكومي
والبرلماني، يزداد ويتطوّر لخدمة شعبينا في تطلّعهم المشترك إلى التقدّم والازدهار
، وخدمة السلم والأمن والتعاون الدوليين، ومواجهة تحديات المستقبل، متضامنين.
وبكل إخلاص، السيد الرئيس، فإنني أباركُ مسبقا مثل هذا المنظور.
أشكركم على كرم الإصغاء وأحيل الآن الكلمة للسيد الرئيس دوبري.
فليتـفضل مشكورا بالالتحاق بالمنصة.