الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
المجلس الشعبي الوطني






خطـاب السيـد عبـد العزيـز زيـاري
رئيـــس الـمجلـــس الـشعبــي الـوطنــي

بمناسبـة المشاركة في المؤتمر السابع عشر للاتحاد البرلماني العربي
بالدوحة – دولة قطر
6-8 /فبراير/2011


 






بســم الله الـرحمــن الـرحيــم
والصــلاة والســلام علــى أشــرف الـمرسليــن


السيد الرئيس،
السّـادة رؤساء المجالس،
السّادة رؤساء الوفود،
أيتّها السيدات أيّها السادة،


السيّد الرئيس،


بداية أودّ أن أعبّر لكم عن سعادتي وتقديري أصالة عن نفسي ونيّابة عن الوفد البرلماني الجزائري الذي أتشرّف بقيّادته على حفاوة الاستقبال الأخوي وكرم الضيّافة اللذين حضينا بهما.

إنّ كل ذلك يعبّر عن تمسّككم بقيم حضارتنا العربيّة الإسلاميّة.
كما أودّ أن أشكركم وأهنّئكم على التنظيم المحكم وعلى ما وفرتموه لإنجاح هذا اللقاء الهام.
إنّ وجودنا بينكم مكننا من التعرف على الإنجازات الهائلة التي حققتموها في المجالات الاقتصاديّة والعمرانيّة والثقافيّة والاجتماعيّة.
دولة قطر اليوم بإنجازاتها، والمكانة المرموقة التي تحصّلت عليها، تشكل فخرًا لكل الأمّة العربيّة.
من المؤكد أنّ وراء هذه الإنجازات الهائلة هناك انفتاح ثقافتكم العريقة على العالم، وحرصكم على المزج بين العصرنة والأصالة، وراءها كذلك الإرادة السيّاسيّة القويّة، والصرامة في العمل اللذان تتميّز بهما قيّادتكم الرشيدة.
نحن على يقين بأنّكم ستكونون في مستوى ثقة المجتمع الريّاضي العالمي الذي كلفكم بتنظيم أكبر حدث رياضي في العالم.
أنظار العالم بأسره ستكون كلها مصوّبة على دولة قطر، وعبرها مصوّبة على كل العالم العربي.
أتمنى أن نكون قادرين آنذاك على تقديم صورة أفضل للعالم عوضًا عن الصورة السلبية التي تسود للأسف الآن.
فالأمّة العربيّة تعيش اليوم وضعا خطيرًا تسوده أزمات سيّاسيّة ومشاكل اقتصاديّة واجتماعيّة.


أتمنى لأمّتنا العربيّة أن تخرج من هذا المأزق، وتحلّ بصفة جذريّة كل هذه المشاكل التي تتخبط فيها، والتي تهدّد استقرارها وحتى كيانها الثقافي، ودورها في الساحة السيّاسيّة الدولية.
في هذا الصّدد، يبدو من المستعجل أن ننظر بكل موضوعيّة وبدون أيّ خلفيّات سيّاسية إلى واقعنا، هذا الواقع الذي عرف تطوّرات باهرة في جميع المجالات، لكنه لا يزال يعاني من نقائص وتناقضات كثيرة.
إنّ التساؤل عن مستقبلنا ومصيرنا بات مسألة ملحّة. لذلك يتعين علينا أن نحلل بموضوعيّة وجرأة هذا الواقع، آن الأوان أن لا نكتفي بالقراءات والتحاليل السطحيّة بل من الضروري التفكير في مساعي فعّالة قادرة على معالجة الصعوبات الهيكلية.
فالظروف الراهنة الآن تحتم علينا مواجهة المشاكل العويصة التي تهدّد الاستقرار والتوازن داخل مجتمعاتنا.
شاهدنا في مطلع هذه السنة مشاكل اقتصاديّة واجتماعيّة أدّت إلى أزمات سيّاسيّة.


معظم دولنا وبالخصوص تلك التي لها حجم ديمغرافي معتبر تواجه منذ سنين تحديّات كبيرة.
إنّ الأزمة الاقتصاديّة العالميّة لعبت دورًا كبيرًا في التدهور الخطير للتوازنات الاجتماعيّة والاقتصاديّة وعمّـقت مشكلة البطالة وأظهرت عجز سوق العمل عن الاستجابة لطلبات الشباب وخاصة حاملي الشهادات الجامعيّة.
وعمّـقت مشكلة تدهور القدرة الشرائيّة للمواطنين، كما عمّـقت انتشار الفقر وتفشي البؤس.
كلنا يدرك خطورة الوضع، كما ندرك كذلك أنّه من المستحيل إيجاد حلول آنية وشاملة لهذه المشاكل.
فليس لدينا الإمكانيّات الكافية، ولا القدرات اللازمة لمواجهة هذه التحديّات.


إنّ معالجة هذه المطالب في رأينا، تقتضي التفكير في صيّاغة عقد اجتماعي وسيّاسي جديد.
وتطبيق هذا العقد وقبوله من الشعوب المعنيّة به يتطلب إرساء مؤسّسات قادرة على استرجاع الثقة بين الدّولة والمجتمع، وبين الحاكم والمحكوم.
إنّ التحديّات الكبرى التي تواجهنا معقدة وعويصة ولها عدة جوانب: سيّاسيّة اقتصاديّة واجتماعيّة وعلميّة تكنولوجيّة وثقافيّة وإيديولوجيّة وحتى عقائديّة.
كل هذه الجوانب مرتبطة فيما بينها، وتتطلب معالجتها سيّاسات طموحة و رؤى استراتيجيّة شاملة وطويلة المدى تتعدى الأطر الوطنية وتكون مندمجة في سيّاق التطوّرات الجذريّة والمتسارعة التي تعيشها الإنسانيّة الآن.


في هذا الصدد، يبدو لي من المفيد أن نتساءل كذلك عن سبب عجزنا عن تحقيق الوحدة العربيّة، التي تتطلع إليها شعوبنا منذ عشرات السنين.
ولنقارن في هذا المجال تجربتنا مع الإنجازات التي حققتها الشعوب الأوروبيّة في بناء الاتحاد الأوروبي بمحتوياته الاقتصاديّة والعلميّة والاجتماعيّة والثقافيّة والسيّاسيّة والمؤسّساتيّة.
عندما ننظر إلى ماضينا أو حتى إلى واقعنا ماذا نلاحظ ؟


نلاحظ أنّ العالم العربي يتمتع بثقافة ولغة وقيم مشتركة جسّدتها حضارة عظيمة ووحدتها في فترات عديدة من التاريخ.
وعلى الرغم من كلّ هذه العوامل الإيجابيّة والمعطيات الهيكليّة ظلت المناداة بضرورة الوحدة العربيّة مجرّد شعار بعيد عن الواقع.
لأنّ مشروعًا طموحاً كالوحدة العربيّة المنشودة لا يمكن أن يتجسّد في الواقع إلا بتكاتف الجهود في إطار استراتيجيّة فعّالة ورؤية بعيدة المدى، تأخذ بعين الاعتبار خصوصيّات مجتمعاتنا. وأبرز دليل على ذلك تجربة الوحدة الأوربيّة والمسار الطويل والشاق الذي عرفته لتصل إلى ما هي عليه الآن.
إنّ تعثر تجسيد الوحدة العربيّة في تصورنا مرتبط كذلك بضعف مؤسّساتنا السيّاسّية، وتهميش الرأي العام العربي.
وإنّ تكريس استعمال "الشارع العربي" بدلا عن "الرأي العام العربي" يعكس جليًا تعميق الهوّة بين الحكومات والشعوب العربيّة، ويظهر غياب حوار بنّاء عبر مؤسّسات قويّة وذات مصداقيّة.


لذا وحتى لا تبقى الوحدة العربيّة المنشودة حبيسة الخطابات، يجب أن نعمل سويًا على بناء استراتيجيّة حقيقيّة منبثقة من واقعنا، وفق مسار يلزمنا بتخطي الخلافات التي لا تخدم لا الدول ولا الشعوب العربيّة ولا الأمة العربيّة.
ولا بدّ أن نركز جهودنا في بناء دول قويّة سيّاسيًا بمؤسّسات تستند إلى شرعيّة ومصداقيّة تؤهلها لأداء الدور المنوط بها من أجل مواجهة التحديّات والمشاكل المطروحة.
ومن ضمن هذه التحديّات كذلك تحديّات القضيّة الفلسطينيّة والأوضاع الأليمة التي يعيشها الشعب الفلسطيني الذي أصبح اليوم مهددًا في وجوده.


إنّ الوضع الأليم الذي يعيشه الشعب الفلسطيني لم يعد مسألة سيّاسيّة فقط بل أصبح مسألة حضاريّة وأخلاقيّة تخاطب ضمائرنا.
وما آل إليه هذا الوضع أصبح يمسّ بكرامة الأمّة العربيّة بكاملها، ويمسّ كذلك بهويّتنا، ويبرهن على تهميشنا في العلاقات الدّوليّة، وعجزنا على حل المسائل المصيريّة التي تخصّـنا، فقد آن الأوان أن نتساءل عن مسؤولياتنا الجماعية في هذا التدهور.
إنّ الوضع الفلسطيني الراهن ليس سبب انقساماتنا ولكنّه راجع إلى الانقسام الذي يعرفه العالم العربي.


وهو ما يضاعف مسؤوليّاتنا ويفرض علينا الإسراع بتقديم حلول جذريّة وإجراءات عمليّة وفعّالة لمعالجة أوضاعنا الوطنيّة والقوميّة والتكفل بتطلعات مجتمعاتنا في بناء المستقبل.


أشكـركـم علـى كـرم الإصغـاء.