الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
المجلـس الشعبـي الوطنـي
كلمة السيـد عبـد العزيـز زيـاري
رئيـس المجلـس الشعبـي الوطنـي
بمناسبــة افتتاح الدورة الخريفية 2009
الجزائر 02 سبتمبر 2009
بسـم الله الرحمـن الرحيـم
والصـلاة والسـلام علـى أشـرف المـرسلين
السيّـد رئيـس مجلـس الأمـة،
السيّـد الوزيـر الأول،
السادة وزراء الدولة،
السيّـدات والسّـادة الـوزراء،
السيدة و السادة أعضاء مكتبي مجلس الأمة و المجلس الشعبي الوطني،
السيّدة رئيسة مجلس الدولة،
السيّد رئيس المحكمة العليا،
السيدات و السادة النّواب،
السيّـدات والسّـادة ممثـلو أسرة الإعـلام،
الضيوف الكـرام،
أرحّـبُ بكـم جميعًا في المجلـس الشعبي الوطني و أشكركم على حضوركم مراسم افتتاح
الدورة الخريفيّة التي تسعى الهيئة التشريعية و التنفيذية بجدية لأن تكون إضافة
نوعيّة إلى رصيد المنظومة التشريعيّة الوطنيّة بما يتضمّن جدول أعمالها من مشاريع
قوانين أودعها الوزير الأول و أخرى في طور الإنجاز ستودع لاحقا.
سيكون المجلس على موعد مع مناقشة الأمر المتضمن قانون المالية التكميلي لسنة 2009 و
المُوَافقة عليه، هذا القانون الذي يضمن توازن ميزان المدفوعات و الحفاظ على
التوازنات المالية السنوية و هو يقوم كذلك على جملة من التدابير التحفيزية لخلق
مناصب شغل جديدة و تدابير تشجيعية أخرى تدعم الشباب المقاول و تحثه على المبادرة و
التكفل بمستقبله، كما تضمن المشروع تدابير جاءت لتدعيم الاستثمار في المؤسـسات
الصغيرة و المتوسطة عمومًا و في الزراعة و السيّاحة على وجه الخصوص، و تعزيز مجالات
الاستثمار الأجنبي بما يخدم الاقتصاد الوطني، و ترقيّة البحث العلمي و توفير الشروط
المناسبـة لذلك ، و تغطية الزيّادات في منح الطلبـة و متربصي التكوين المهني، و
توفير التأطير البيداغوجي الملائم، و ضمان حقوق أفراد الخدمة الوطنيّة ضحايا
الإرهاب، إضافة إلى دعم التدابير المتعلقة بمحاربة الغش و التهرب الجبائي في مختلف
فروع النشـاط الاقتصادي و منها التجارة الخارجيّة.
و تجدر الإشارة إلى مراعاة السلطات العموميّة الوضع المالي لبلادنا، و واقـع الأزمة
الماليّة العالميّة في اعتمـاد تدابيـر قانـون الماليّة التكميـلي لهذه السنـة، و
كل المنطلقـات المرتكز عليها في مشاريـع التنميـة و الإصلاحات، و هو ما يؤكد إدراك
الدولة للمعادلة الصعبة المُمَثلة من جهة في أزمة مالية و اقتصادية دوليّة غامضة و
محيّرة، ليست بلادنا في منآى عنها، لأنّ اعتمادات مداخيلها لا تكـاد تتجاوز عائدات
المحروقات، ومن جهة أخرى برنامج وطني طموح يسعى إلى تحقيق الاستقرار و الرفـاه
لكافـة الجزائريّات و الجزائريّين، و في مواجـهة هذا التحـدي ليس أمامـنا إلاّ
تكاتـف الجهود و تكثيـفَهَا، بـل لابـدّ من أن يتحوّلَ الشعور بالمسؤولية في هذا
الوضع إلى مَزيدِ الصّرامة و الحكمة و العقلانية في تسيير الشأن العـام، و ترشيد
النفقات العمومية.
أيّتها السيّدات،
أيّها السّادة،
إنّ الهدف الذي نتقاسمه مع الحكومة يرمي إلى جعل هذه الفترة التشريعيّة السادسة
فترة الإصلاحات الأكثر عمقا و فترة التنميّة الأكثر شموليّة، نريدها فترة أكثر
إصابة للأهداف المنشودة، و نحن على يقين أنّ التيارات الفكريّة و السّياسيّة التي
يزخر بها المجلس تتقاسم انشغالات أساسية تهـدف إلى الارتقاء بالسيّاسات العمومية
الاقتصادية و التنموية التي يتعيّن على البرلمان و الحكومة العمل من أجل تجسيدها.
إنّي أقصـد هنا سيّاسـة التنميّـة بآفاقـها الوطنيّة و الجهويّة و المحليّة، و
بأبعادها البشريّـة و الاجتماعيّة و الثقافيّة. كما أقصد أيضًا السيّاسة المالية و
الجبائية التي من شأنها ضمان مداخيل يتطلبها تنفيذ هذه الأهداف التنمويّة.
إنّ بلادنا تعمـل على تكريس مبادئ الحكم الراشد، و هي تسير بثقة و ثبات من أجل
الالتحاق بركب البلـدان التي تسمى بالناشئـة، و لديها من الإرادة السيّاسيّـة و
الإصرار و العديد من العوامل و المؤهلات لتحقيق ما تتطلع إليه.
لقد تعـزّزت منشآتـها القاعديّة في مجالات النقـل و الطاقـة و الميـاه و السكـن و
الاتصالات السلكيـة و اللاسلكية، إضافة إلى المزايا التي تطبع اقتصادها سيما في
ميدان المحروقات و إنتـاج الكهرباء و استغلال الطاقات المتجددة و ما تتوافر عليه من
موارد بشريّة هائلة و محيط أعمال ما فتئ يتطوّر، و إصلاحات واسعـة في عديـد
المياديـن، و كـلّ هـذه القـدرات و الإمكانيات بات من الضروري اليوم أن تظهر
نتائجها.
و لذلك فإنّ مواصلة مسار التنميّة الوطنيّة يتوجّب أن لا تكون مداخيل المحروقات
الوسيلة الوحيدة المعتمد عليها، بل يتوجّب اعتماد سيّاسة تنمويّة تأخذ في الحسبان
التحضير للمستقبل انطلاقا من التسيير العقلاني للحاضر، سيّاسة تعتمد بصفـة متجانسة
و متكاملة مجمل الطاقات و القدرات الوطنيّة دون إقصاء، و تعمل على تفعيل فرص
الشراكة الدوليّة و الاستثمار الأجنبي، بما يخدم الاستراتيجيّة التنمويّة لبلادنا،
في إطار استقرار القوانين الناظمة لذلك و بما يسهم في إيجاد بدائل دائمة لمواردنا،
و بما يؤهل الاقتصاد الوطني و يحسّنُ آداءَهُ.
أيّتها السيّدات،
أيّها السّادة،
كما أنّه لا بدّ من الإسراع في مواصلة الإصلاحات في المؤسّسات الماليّة و البنكيّة
باعتبارها مجالا خدماتيا هامًا يضبط تسيير الاقتصادْ ، و يُضْفِي عليه ديـناميكية و
نجاعة، و يضمن بالتالي الاستقرار الاجتماعي.
و من هذا المنطلق ستعمل الدولة على مواصلة أداء المهام الرئيسيّة الموكلة لها، بل
تحرص أكثر على بذل كافة الجهود لاتخاذ التدابير الضّروريّة لمواجهة الأزمة الماليّة
العالميّة، و تجنّب آثارها السلبية على بلادنا.
و إذا كانت بلادنا أقل البلدان تضرّرًا من انتشار هذه الأزمة، وعرفت كيف تتفادى
مضاعفاتها على اقتصادها، فإنّها مطالبة اليوم باستباق الأحداث، لتتمكّن من التكيّف
مع الوضعيات الجديدة بما تملك من قدرات لتحقيق الرقي الاقتصادي.
إنّنا على دراية أنّ نجاعة التدابير التي مكّنت من تفادي الأزمة و الحَدْ من
مضاعفاتِهَا لا يمكن أن تدوم، إلاّ إذا تمّ العمل على ترقيّة الاستثمار في
القطاعـات الحيويّـة و خاصة في مجال الفلاحة و السيّاحة و الصناعة، لكي لا تبقى
الجزائر رهينة تقلبات أسعار المحروقات في السوق الدوليّة.
أيّتها السيّدات،
أيّها السّادة،
إنّ المهام البرلمانيّة التي تجمعنا في هذا المجلس تتجسّد في ما نقوم به من تشريع
في كلّ هذه القضايا، و لا تهدف إلى جعلنا نتكلّم كلّنا بصوت واحـد، و ندلي برأي
واحد، حول المسائل التي ندرسها في هذه المؤسّسة الديمقراطيّة الموقرة.
بل إنّ جوْهرَ مهمتنَا يهدفُ أساسا إلى الاستماع إلى بعضنا البعض، والتَوَصل إلى
موافقة ترتكز على الحوار و الاحترام و التقيّد بالقواعد الديمقراطيّة من أجل تحقيق
المصلحة الوطنية التي تعَدّ الهدف المشترك الذي نتطلع إليه جميعا.
أيّتها السيّدات،
أيّها السّادة،
إذ لا تعدّ المصلحة الوطنيّة حَكْرًا على النقاشات البرلمانيّة وحدها، إنّها أيضا و
بالتأكيد من أهداف المحادثات الثلاثيّة التي تجمع الحكومة و ممثلي العمـال و أربـاب
العمـل طبـقا للعَـقد الوطني الاقتصـادي و الاجتماعي الذي يجمع أهم الفاعلين في هذا
الميـدان. إنّ المجلس الشعبي الوطني يغتنم فرصة الدخول الاجتماعي ليدعو كافة شرائح
المجتمع من طالب العلـم و المعرفة إلى العاملين في مختلف الوظائف و الحرف و المهن
إلى وجوب العمل و الإخلاص فيه لأنّ صلاح الأمَّة و رقيّها لا يكون إلا بالعلم و
العمل، و إذ يهنئ المجلسُ المواطنين بهذا الدخول، فإنّه يتمنى أنْ يكون دخولا
اجتماعيا في كنـف احتـرام مبـادئ المسؤولية و الحـوار، و يدعـو مجمـل الشركـاء
الاقتصادييـن و الاجتماعيين إلى مراعاة الظروف الوطنيّة و الوضع الدولي في نقاشهم،
و أن يَسْعُوا إلى تقريب وجهات النظر و تحقيق الإجماع خدمة للصالح العام و بما يدعم
مواصلة تجسيد برنامج رئيس الجمهوريّة الذي يعود بالخير على كافة أبناء الشعب
الجزائري.
أيّتها السيّدات،
أيّها السّادة،
لقد كان مسعى الهيئة التشريعية على الدوام دعم مسار الإصلاحات الشاملة التي باشرتها
الجزائر منذ 1999 و التي تهدف إلى أن تكون المؤسسات، التي تشكل أساس دولة القانون،
متناسبة مع التحولات التي تعرفها البلاد ويعرفها العالم.
و سيعمـل المجلس على الاضطـلاع بمهامـه في إطار التكامل و التنسيق بين المؤسستين
التشريعية و التنفيذية لتطبيق مخطط عمل الحكومة الذي صادق عليه في الدورة السابقة،
كما أنّه لن يتوان عن بذل ما في الوسع لتجسيد البرنامج الخماسي الطموح الذي زكّاه
الشعب في أفريل المنصرم.
و لن يدّخر جهدًا لدعم السيّاسة التنمويّة و تعميق الديمقراطيّة، و سيبقى حريصا على
تعزيز استقرار المواطنيـن و تحقيق أمنهم، و مُوَاجهًا لكلّ أشكال التطرّف و العنف،
و مدعّما بناء دولة القانون، و مشَرّعًا لتجذير مبادئ الحكم الراشد و حريصًا على
حسن التدبير في تسيير شؤون الأمة و خدمة مصالحها.
إنّ المجلس الشعبي الوطني، و هو يؤدي مهامه بكلّ فَعَاليّة و جدّيّة يضع دائمًا في
حسبانه الوصول إلى إجابات تشريعيّة أكثر ملاءمة لانشغالات مواطنينا و واقع بلادنا،
و ما يحيط بها جهويًا و إقليميًا و دوليًا.
أيّتها السيّدات،
أيّها السّادة،
أقول سيبقى المجلس الشعبي الوطني فضاءً حرًا عامرًا بالنشاط و الحيويّة و الحوار
البناء و النقاش الموضوعي، معبّرًا بصدق عـن تطلعـات مواطنيـنا، و مكـرّسًا لقيم
الحريّة، و ضامنا للاحترام المتبادل للرأي و الرأي المخـالف، و مُرقيًا لمبادئ
الديمقراطيّـة و العدل و المساواة.
أيّتها السيّدات،
أيّها السّادة،
أجدّد الترحيب بكم و أقدّم باسم المجلس الشعبي الوطني خالص الشكـر إلى السيّد رئيس
مجلـس الأمة و نوّابه على حضورهم، و أسدي بالغ الشكر إلى السيّد الوزير الأوّل و
إلى السيّدات و السّادة الوزراء على تعاونهم الدائم و حرصهم الأكيد على الإرتقاء
بالمنظومة التشريعيّة الوطنيّة التي هي محل عناية و عمل مشترك بين الهيئتين
التشريعيّة و التنفيذية.
و أشكر ضيوف المجلس من سلك القضاء على حضورهم راجيا لهم التوفيق في أداء مهامهم،
كما أرجو للسيّدات و السّادة النوّاب و أعضاء مجلس الأمّة عودة ميمونة مفعمة
بالنشاط لمتابعة المهام البرلمانية النبيلة التي تسهم في مواصلة تعزيز أركان الدولة
الجزائرية القويّة و الآمنة، الدولة الجزائرية التي عمادها العدل و القانون و الأمن
و الرخاء.
و أقدم شكري إلى السيّدات و السّادة أعضاء أسرة الإعلام الحاضرين معنا هؤلاء الذين
يضطلعون بمهمة متابعة أشغال هيئتنا الموقرة، و تبليغ رسالتها إلى مواطنينا بكل صدق
وآمل أن يشكل رجال الإعلام همزة وصل موضوعية بين البرلمان و المواطنين و أن يشاركوا
في تعزيز الممارسة الديمقراطية في بلادنا، و يسهموا في إرساء قواعد الشفافيّة، و
دعم أسس الحكم الراشد، و تأكيد الحضور الفاعل و البناء للإعلام الوطني خدمة للصالح
العام على كافة الأصعدة و المستويات.
أيّتها السيّدات،
أيّها السّادة،
قبل أن أختم أودّ أن أقدّم أصدق التهاني و أخلص الأماني إلى كافة الشعب الجزائري في
الداخل و الخارج بمناسبة شهر رمضان الكريم داعيًا الله أن يتـقبل صيّامـنا و
قيامـنا بموفور الأجـر و الثـواب و أن يعـيده على الأمّة الإسلاميّة بمزيد
الاستقرار و الازدهار.
أشكركم على كرم الإصغاء
أعلن رسميا افـتتاح دورة الخريف 2009