الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
المجلس الشعبي الوطني


كلمة
السيد عبد العزيز زياري
رئيس المجلس الشعبي الوطني
خلال زيارته الرسمية إلى جمهورية تونس
من 20 إلى 24 جويلية 2009
 

 


والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

السيد رئيس مجلس النواب ،
السيدات والسادة النواب،
الاخوة الأعزاء،



أود في البداية أن أعبر لك، بكل صدق، عن عميق شُكرنا وتقديرنا للاستقبال الحار والمعاملة المميّزة التي حظينا بهما فلمسنا بذلك، مرة أخرى، كرم الضيافة التي يتميز بها الشعب التونسي الشقيق وعمق العلاقات الأخوية بين شعبينا.
أنا على يقين أن هذه الزيارة ستكون فرصةً لمُوَاصَلة الحوار بين المجلس الشعبي الوطني ومجلس النواب التونسي لتعميق العلاقات و تزويدها بالهياكل المناسبة .

السيد الرئيس،
لقد أتاحت لي هذه الزيارة، التي تَكتسي أهميةً كبرى فرصة الإطلاع على ملف التعاون القائم بين بلدينا و مدى تطوره في مختلف المجالات فلاحظت أن هذا التعاون
– وبعد فترة سادها نوع من الركود، بَدأَ يعرف منذ بضْع سنوات، نمُوًا هائِلا في شتى المجالات.
و هذا ليْس صدفة ولا نِـتَيجة ظرُوفٍ عابِرة. إنه ثمرة الإرادةِ السياسية الحازمة للرئيسَيْن عبد العزيز بوتفليقة وزين العابدين بن علي اللذان دفعا بالعلاقات بين الجزائر وتونس إلى مستويات مرموقة بهدف بناء شراكة إستراتيجية طويلة المدى .
وفي هذا السياق آن الأوان للهيئات التشريعية أن تندمج في هذه المسيرة التاريخية بمساهمة تقدم إضافة نوعية للعلاقات بين البلدين.

السيد الرئيس..
إن هذه الشراكة التي سعى زعيما البلدين من أجلها تتمحور حول مجموعة من الأهداف أبرزها:
- الارتـقاءِ بالعلاقات بين البَلديْن إلى مستوى القدرات الاقتصادية الهَائلة،
- استغلال الإمْكانيَات والفرص التي يتيحها الجوار،
- الارْتـقاء بعلاقات البلدين إلى مستوى المحتويات الثقافية والحضارية التي تجسد شخصية وهوية شعبينا،
وإضافة إلى العوامل الهيكليَة والموضوعية التي تبرر مثل هذه الطموحات الكبيرة، هناك المحتوى التاريخي الذي عزَّز تضامن الشعبين.

إن العلاقات الجزائرية التونسية تستَمد قوتها من عمق التاريخ المشترك لاسيما الإسهام الكبير لتونس الشقيقة أثناء الثورة الجزائرية والتي تجلت على وجه الخصوص في تضحيات الشعب التونسي ودعمه للجزائر المجاهدة ماديا ومعنويا بكل شجاعة و عفوية.
السيد الرئيس،
إن تونس تحتل موقعا خاصًا في قلوب الجزائريين، لا يمكن أن يتأثر مع مرور السنوات إنه يشكلُ مكسبا تاريخيا وإرثا مشتركا سقته الدماء الزكية لشعبيـنا في ساقية سيدي يوسف.
إنّهُ الإرْثُ الذي يحمـلنا نحْن الجزائريين، مسؤوليةً خاصة منها وجوب الوفاء. للارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مُسْتوى هذا الإرثِ المشتَرك والطموح المشروع في بناء المستقبل.
وحول هذا الطموح تمَحوَرَتْ العلاقات بين بلدينا ممَا أنتج تعاونا، على نطاق واسع، يعود الفَضل فيه إلى توفر الإطار القانوني المناسب وإلى إقامة الهياكل المؤسساتية الملائمة.
و هكذا فإن مُبادلاتِنا التجارية ارتفعت إلى أكثر من "مِليار دولار" مما جعل تونس ضمن أكبر المتعاملين الاقْتصاديين مع الجزائر. ومن المنتظر أن يتدعم هذا التوجه وينمو أكثر بفضل المشاريع الاستثمارية التي تعمل الشركات العمومية والخاصة في البلدين على إنجازها.
ولا يفوتني أن أنوه بمستوى التعاون بين بلدينا في مجال الطاقة منذ تشغيل الخط العابر للمُتَوسط الناقل للغاز (transmed) الذي يربط بلدينا بأوروبا.

السيّد الرّئيس ،
أنا متأكد أن تعاوننا سجل هذا النمو الهائـل بفضل المحتوى الإنساني الذي يعطِي للعلاقات الجزائرية التونسية خصوصيتها المميزة.
لذا فمن حق مواطني بلديـنا أن ينتظروا منا ومنكم معاملة مثالية، سواء تعلـق الأمر بشروطِ الدخول أو الإقامة أو العمل في البلديـن. فالرد الإيجابي على هذا المطلب المشروع يكتسي أهمية بالنسبة لكل مؤسسات البلدين في إطار التشاور المستمر والتنسيق الفعال.

السيّد الرئيس،
على الرغم من أن التعاون بين الجزائر وتونس إيجابي للغاية، لكنه لا يزال بعيدا عن استغلال كل إمكََانيات التنمية في البلدين.
أعتقد أن الحجم المتواضع للمبادلات التجارية بيْن بلدان المغرب العربي يستَدعِي مـنا النظر في سلبيات هذا الوضع، لاسيما إذا قارنـا ذلك بمستوى مبادلاتنا التجارية مع الاتحاد الأوروبي.
لعلهُ من الضروري التأكيد على حتمية بذل جهود مكثفة لتحقيق تنمية أَقل تبعية وأقل تأثرا بالهزات والمؤثرات الخارجية، كما هو الحَال مع تداعِيات الأزمة الاقتصادية العالمية.

السيد الرئيس..
لعلكم تشاطرونني الرأي بأن معالجة هذا الوضع يتطلب سياسات اقتصادية متجددة منها على وجه الخصوص:

- 1- الحد من العراقيل التي يواجهها اقتصادنا والمرتبطة بتبعية هيكلية للشمال، عراقيل فرضتها الظروف التاريخية و زادها الوضع الاقتصادي الدولي الراهن تعقيدا ،
- 2- التنسيق المتدرج بين السياسات الاقتصادية الوطنية
- 3- الأخذ بعين الاعتبار للإمكانيات والفرص التي يمنحها البعد الإقليمي و الجهوي للاقتصاد المغاربي،
4 - تجنّب التنافس السلبي بين بلدينا و تعويضه برؤية مشتركة و تكاملية بين بلدان المغرب العربي

و لتحقيق ذلك لا بد من بذل مزيد الجهد للدخول في عهد جديد تقوده مبادئ التضامن والتنسيق والتشاور القائمة على صيانة المصالح المشتركة والمصير الواحد. إنها حتمية يفرضها ما نشهده من تكتلات إقليمية.


إنّ متانة العلاقات بين الجزائر وتونس تؤهلهما لإقامة شراكة إستراتيجية مثالية تكون نموذجا يقتدى به و يسمح بتحقيق ما تطمح إليه الشعوب المغاربية.

السيد الرئيس ..
لقد تعمدتُ التركيز على البعد الاقتصادي لأنني على يقين أن مؤسستـينا يمكنهما تقديم إسهام خاص في هذا المجال .
لا شك أننا ندرك بأن تطور العلاقات الثنائية ناتج عن استحداث إطار قانوني ملائم، وإقامة هياكل مختصة تغطي كل مجالات النشاط الاقتصادي والاجتماعي، وأقصد هنا:
- اللجنة المُشْتَرَكَة الكبرى التي يرأَسها الوزير الأوَل عن الجَانِب الجزائري و نظيره التونسِي والتي عقَدت دورتها السابعة عشر (17) في 2008،
- لجْنَة المتابعة تحت إِشراف الوزراء المكلفين بتطبيق وتنفِيذ قرارات و توجيهات اللجنة الكبرى ومتابعتها.
- اللجان المتعددة ذات الطابع القطاعي المتخصص.

إن التكفـل بالعلاقات الثنائية في إطار هذه المنظومة توجت بنتائج ملموسة حيث شرعت في إنجاز عدة مشاريع بالغة الأهمية في ميدان الطاقة والصناعة والزراعة والبحث العلمي الخ ...
فحَصيلةَ الإنجازات تبرهن عن جديّة المسيرة وفعالية الهيئات المكلفة بهذا الشأن.


السيد الرئيس،
السيدات والسادة النواب،
الاخوة الأعزاء،


إن استعراض مسيرة التعاون يبدو مشجعا ويدعو إلى تبني النهج الذي عملت ولا تزال تعمل عليه حكومتا بلديـنا .
لذا فإن الهيئات التشريعية في البلدين مطالبة بالاندماج أكثر في هذه المسيرة كما أشرت إلى ذلك.

وفي هذا السياق، أعتَـقد أنه من المفيد أن تتوفر العلاقات بين مجلس النواب التونسي والمجلس الشعبي الوطني على إطار قانوني من شأنه تأطير التّعاونِ وتنظيمه وتطويره بما يخدم مصالح البلدين.

هذا الإطار القانوني يمكن أن يؤسس لجنَة ما بين البرلمانين الجزائر- تونس والتي يمكنها أن تنظم وتهيكل سبل التشاور والحوارَ بين النوابِ في البرلمانين حول كل القضايا ذات الصلة بالعلاقات الثنائية أو تلك المتعلقة بالقضَايا الجهوية والدَّوليّة التي يمكن أن تشكل موضوع اهتمام مشْترك.
و منَ الأهداف التي يمكن أن تكلف لهذه اللجنة البرلمانية:

- متابعة العلاقات الاقتصادية الاجتماعية والثقافية،
- تَبَادل وجهات النظر حول وسائل ترقية وتدعِيم التعاون الثنائي،
- تنسِيق المواقف في الهيئَا البرلمانية الدولية التي تشارك فيها سويا،
- برمجة لقاءات دورية بين اللجان الدائمة المختصة في البرلمانين،
- التنظيم المشترك للملتقيات والأيام البَرلمانية حول القَضَايَا التشريعية والاقتصادية والاجتماعية ذاتِ الاهتمام المشترك،

وبهذه المناسبة اسمحوا لي، السيد الرئيس، أن أُوجه إلى معاليكم دعوة رسميةً للقيام بزيارة للجزائر وأتمنى أن يكون ذلك في أقرب وقت ممكن.
وستـتيح لنا فرصة وجودكم في الجزائر التوقيع على اتفَاق تعَاون، سنعمل على تحضيره إذا تم الاتفاق المبدئي على ذلك.
و أتمنى كذلك أن نقوم سويا بتنصيب اللجنة البرلمانية الجَزائرية- التونسية المقترحة.
وفي الختام، يسعدني أن أجدد كم شكري العميق على كرم الضيافة وحسن الاستقبال كما أعبر لكم، مرة أخرى، عن أسمى معاني الامتنان وأعمق عبارات المودة والتقدِير لفخامة رئيس الجمهورية التونسية زين العابدين بن علي وكافة أعضاء مجلس النواب التوفيق في مهامهم النبيلة وللشعب التونسي الشَقيقِ مزيد الرقي والازدهار.