الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
المجلس الشعبي الوطني
كـلـمـة
السيد رئيس المجلس الشعبي الوطني
بمناسبة المحادثات الموسعة
بين
الوفدين البرلمانيين الجزائري و الإيراني
الجزائر 29 جوان 2009
السيـّد الرئيـس،
السيّـدات والسّـادة النـواب،
ضيوفنـا الأعزاء،
السيّد الرئيس،
اسمحوا لي في مستهل كلمتي أن أعبّر لكم ، باسم المجلس الشعبي الوطني، عن أحرّ معاني
الترحيب بكم في الجزائر.
إنّه لشرف كبير لي و لزملائي أن نستقبلكم أنتـم و الشّخصيّات المرافقة لكم .
السيّد الرئيس
أودّ أن أعبّر لكم عن امتناننا للدّور الكبير الذي قمتم به من أجل إنجاح أشغال
الدّورة الأخيرة للهيئة التنفيذيّة لاتحاد مجالس الدّول الأعضاء في منظمة المؤتمر
الإسلامي والتي أدَرْتمُوها بكفاءَةٍ و اقتناع.
إنّ زيّارتكم للجزائر تكتسي بُعْدًا رمزيا لأنّها تأتي في الوقت الذي بدأت فيه
إيران و الجزائر مرحلة جديدة من تطوّرهما المؤسّسّاتي .
فتجديد الثقة من طرف الشعب الجزائري في الرّئيس عبد العزيز بوتفليقة من أجل ولاية
جديدة في أفريل 2009 وكذا إعادة انتخاب الرئيس أحمدي نجاد من شأنهما أن تفتحا عهدا
جديدا يساعد على تعميق التعاون وروابط الأخوة التي تجمع الجزائر و إيران.
و يعرف بلدانا، بالفعل، منذ سنوات، تطوّرا رائعا في علاقاتهما في شتى المجالات. كما
أنّ ديناميكيّة إيجابيّة أصبحت تطبع علاقات البلدين بفضل تبادل الزّيّارات:
الزّيّارتان اللتَان قام بهمـا الرئيـس عبد العزيز بوتفليقة في أكتوبر 2003 و أوت
2008 و زيّارة الرئيس أحمدي نجاد في أوت 2007.
و كان لكم أيضا، أنتم سيّادة الرّئيس، إسهامكم في هذه الديناميكيّة لا سيما من خلال
الزيّارة التي قمتم بها في جوان 2007 بصفتكم الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن
القومي .
و إذا كانت علاقاتنا تستفيد من ظرف سيّاسيّ موات فإنّه مازال أمامنا الكثير
للارتقاء بالعلاقات الثنائيّة إلى المستوى الهائل من الإمكانيّات الاقتصاديّة
والعلميّة التي يزخر بها بلدانا.
و قد باشر بلدانا بالفعل في بعض الأعمال المشتركة في شتى المجـالات منها الطاقـة و
السكـن و التعميـر و الفلاحة و القطاع الثقافي.
و على المستوى المؤسّساتي، فإنّ علاقاتنا تدعّمت بلجنة مشتركة يترأسها عن الجانب
الجزائري الوزير الأوّل فيما يرأسها عن الجانب الإيراني النائب الأوّل لرئيس
الجمهوريّة.
و قد تمّ التوقيع على اتفاقيّات هامّة في المجال الضّريبي والتعاون الجمركي و
الخبـرات المصرفيـّة و الماليـّة.
هذا الدّفع القانوني و المؤسّساتي بدأ يعطي نتائج ملموسة في مجال التبادل التجاري
بين بلدينا، إذ أرتفع من تسعة ملايين دولار سنة 2006 إلى ستين مليون دولار في نهاية
2008.
هذا التطوّر في العلاقات سيعرف كثافة أكبر بفضل اتفاقيّات الشراكـة القائمـة بين
الشركات الإيرانيّـة و الجزائريّة أو تلك التي هي على وشك أن توقع بين شركات
البلدين، و أذكر هنا إنجاز مصنع إسمنت بقيمة إجماليّة تصل إلى 220 مليون يورو و
إنتاج عتاد السّكة الحديديّة و برامج سكنيّة ...و مشروع إقامة مصنع لتركيب
السّيـّارات.
إنها مؤشرات مشجعة عن التطور الهائل لمبادلاتنا الاقتصادية و التجارية : فعلى
مؤسستينا المنتخبتين أن تعملا على تشجيع تطوير هذا التعاون، وأن ترافقه دون أن يكون
هذا الدّور بديلا للدور الطبيعي للفاعلين السيّاسّيين و الاقتصاديّين المعنيين
مباشرة بمختلف أوجه التعاون.
و البرلمانان مخوّلان أن يلعبا دورهما كاملا من أجل ترقيّة التفاهم بين شعبينا. لذا
نحن مدعوون للتفكير في السّبل و الإمكانيات الكفيلة بهيكلة التعاون بين مجلسينا حتى
يمكننا أن نقدّم مساهمتنا الخاصّة في دعم العلاقات بين بلدينا.
السيّد الرئيس،
أعتقد أنّه من المفيد، في المجال الدّولي، التذكير بأنّ مواقف بلدينا تتقاطع و
تلتقي حول عدد من القضايا الإقليميّة و الدّوليّة ذات الاهتمام المشترك.
و سبق أن تمّ تحديد هذه المواقف في البيان المشترك الذي توّج زيارة الدّولة التي
قام بها الرّئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى إيران في أوت 2008 . و هي بذلك تشكل
الإطار الذي يُمْكِنُنَا الإقتداء به في كلّ عمل مشترك نقوم به على المستوى
الدّولي.
لقد تميّزت نهاية 2008 وبداية 2009 بالتشاور المثالي بين برلمانيْنا و توصّلنا بفضل
ذلك إلى توسيـع و دعـم التضامـن في كلّ الدّول الإسلاميّـة و الرّأي العام العالمي
أثناء المأساة التي عرفها قطاع غزّة .
و في هذا السّـيّاق فإنّ ندوة إسطنبول، التي توّجت بإعلان تاريخي حول غزّة، كانت
نَِتاج هذا التـشاور ونِتاج المَسْعى المُوَحّد لبرلمانَيْنا للتنديد بحرب الإبادة
التي شنّـتها إسرائيل ضدّ الشعب الفلسطيني الأعزل في غزّة و لتوسيع حركة التضامن مع
الشعب الفلسطيني.
إنّنا على استعداد أنا و زملائي النواب لأن نجعل من التشاور منهجا و تقليدا في
التعاون بين مجلسينا حول القضايا الدّولية ذات الأهميّة البديهيّة لنا جميعا مثل
القضيّة الفلسطينيّة.
فمساندة القضيّة الفلسطينية ،على المستوييـن السّـيّاسي و المادي، و الدّفاع عنها
في المحافل الدّوليّة و في الإطار الثنائي، واجب مقدّس .
و يمكن للظرف السّيـّاسي الجديد، السّائدِ دوليا، أن يُشكل، في بعض من جوانبه، فرصة
لتطوّر إيجابي للقضيّة الفلسطينيّة في نفس الوقت الذي يبدو فيه مصدر قلق كبير لأنّ
بعض القوى تسعى لتبرير الجمود الحاصل في مسار الحلّ للقضيّة الفلسطينيّة
بالاختلافات التي تعرفها السّاحة الفلسطينيّة .
و أمام هذه الوضعيّة الشديدة الخطورة فإنّ مسئوليتنا التاريخيّة هي أن نَمُدّ يد
المساعدة إلى الإخوة الفلسطينيّين للتغلب على خلافاتهم، من خلال البناء على ما
يُوَحِّدُهُمْ، والابتعاد عن كلّ ما يُفرّقهم. إنّ وحدة الصّف الفلسطيني تبدو الآن،
أكثر من أيّ وقت مضى، ذاتُ ضرورة حيويّة بالنسبة لمستقبل القضيّة الفلسطينيّة.
لقد أثارت مأساة غزّة مشاعر الرّأي العام العالمي الذي هبّ في حركة تضامنيّة غير
مسبوقة. و لا يمكن لهذه الحركة التضامنيّة إلا أن تتوسّع لتدعم شعبًا مُوّحدًا حول
الأساس الجامع بين كلّ فئاته من أجل تحقيق أهدافه المقدّسة في إقامة دولته الوطنيّة
و عاصمتها القدس الشريف.
السيّد الرئيس،
إنّ بلدينا، المتشبّعان بقيم الإسلام النّبيلة، يتقاسمان نفس مبادئ العدالة و
المساواة التي يجب أن تَسُود نمط تسيير القضايا العالميّة: حلّ الخلافات بالطرق
السّلميّةِ وحِوَار الثقافاتِ و الحضاراتِ والتعايُش السِلمي بين الأمم .
و على هذا الأساس، تتحرّك الجزائر من أجل نزع شامل للسّلاح و منع انتشار السّلاح
النووي. و في هذا الإطار بالذات حدّدت الجزائر من بين أهدافها الأوّليّة جعل منطقة
الشرق الأوسط منطقة خالية من السّلاح النووي.
السيّد الرئيس،
إنّ الجزائر العضْوُ في اتفاقيةِ منع انتشار الأسلحة النوويّة، مثلها مثل إيران،
تعتبر أنّ امتلاك التكنولوجيا النوويّة لأغراض سلميّة حق مشروع لكلِّ دولةٍ ما دام
الغرضُ سلميًا و يستجيبُ لمستلزماتِ التنميّة الاقتصاديّة و الاجتماعيّة.
لذا فإنّ الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني يجب أن يجد حلولا له بالحوار
وإمكانيّات التفاهم التي تتِيحُها الدّبلوماسيّة العالميّة و كذا من خلال الحقوق
التي تضمّنتها اتفاقيّة منع انتشار الأسلحة النوويّة لكلّ الدّول الموقعة عليها.
و من هذا المنظور لا يمكننا سوى أن نشجّع التطوّر الإيجابي لموقف المجموعة
الدّولـيـّة نحو مقاربة قائمة على الحوار وفي إطار الهيئات التقنيّة المخوّلة في
الوكالة الدّولـيّة للطاقة الذريّة.
السيد الرئيس،
إنّ الجزائر التي تعتبر جزءا لا يتجزّأ من المغرب العربي، ودولة محوريّة فيه، ترى
أنّ وحدة وتنامي هذا التجمّع الإقليمي يكتسيّان أهميّة قصوى بالنسبة لشعوب المنطقة.
والجزائر تعتبر أنّ بناء صرحِ المغرب العربي حتميّة إستراتيجيّة. لكنّ هذا المشروع
يصطدم وللأسف بالنزاع بين المملكة المغربيّة و الجبهة الشعبيّة لتحرير السّاقية
الحمراء ووادي الذهب (بوليزاريو) حول الصّحراء الغربيّة لأنّه من غير المعقول أن
يتمّ بناء هذا التجمّع على حساب الحقوق المشروعة للشعب الصّحراوي .
في الوقت الذي يمرّ فيه العالم بأزمة اقتصاديّة كبيرة لا سابق لها فإنّ بلدينا
الجزائر وإيران لهما من الوسائل ما يُمكنُهما من البحث عن حلول مناسبة، بما في ذلك
من خلال المؤسّسات المنتخبة، من أجل رفع التحديات الناتجة عن هذه الوضعيـّة. و
يمكـن أن تكون ترقيـّة المبادلات الاقتصاديـّة و التجاريـّة بين دول الجنوب أحد هذه
الحلول.
و في هذا السّـيـّاق بالذات، تولي الجزائر أهميّة خاصّة لمقاربة تشاوريّة حول قضيّة
الطاقة التي تشكل أحد أهم دعائم اقتصاديّاتنا .
و لاشكّ أنّ دعمَ منظمـةَ البلدان المصدِّرة للنفـط و توحيد صفوفنا يشكلان أحسن
وسيلة للدّفاع عن مصالحنا كبلدان منتجة. و هذا الانشغالُ المشروعُ لن يحول دون
اسهامنا بصفة مسؤولة في إيجادِ حلولٍ للأزمة التي تعصف بالاقتصاد العالمي.
السيّد الرّئيس،
لا يمكننا في هذه العجالة التطرّق لكلّ القضايا التي تهُم بلدَيْنا والتي يمكن أن
تُشكل مواضيعَ تشاوريّة أو أساس أعمال مشتركة لا بُدّ من القيّام بها.
و سأكون مسرورا جدّا أن أثير معكم، إضافة إلى القضايا التي تَهُمّ الشرق الأوسط،
القضايا التي تخوض فيها دبلوماسيتكم المسؤولة بطلب مُلِح من أطرافٍ عِدّةٍ. وفي هذا
السِّـيـّاق فإنّ تَحليلكم للتطـوّراتِ في العـراق و للوضع في أفغانستـان و باكستان
يُشكِل مَصْدر اهتمام أكيد لنا.
أشكركم جميعا وأتمنى النجاح لأشغال دورتنا هذه
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.