الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
الـمجلس الشعبي الوطني





خطـاب السيـد عبـد العزيـز زيـاري
رئيـــس الـمجلـــس الـشعبــي الـوطنــي

بمناسبـة الزيــارة الرسمية إلى الفيتنام

من 18 إلى 22 جانفي 2010 ‏‏


 


بســم الله الـرحمــن الـرحيــم
والصــلاة والســلام علــى أشــرف الـمرسليــن



سيدي الرئيس،
السيّـدات والسّـادة النواب،
أصدقاؤنا الأفاضل،


السيّد الرئيس،

بدايةً أودّ أن أعبّر لكم عن مدى تأثرنا بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة وما لمسناه من مشاعر الصداقة والترحيب منذ وصولنا إلى هانوي Hanoi.
إِنّ وجودَنا في هذا البلد شرف كبير، لأنّ الفيتنام Vietnam يبقى بالنسبة لأجيالٍ من الجزائريّين رمزًا لمقاومةِ شعوبِ العالم الثالث من أجل العدالة والحريّة.
هل يجب التذكير بأن الثورة الجزائرية انطلقت من نفس القيم التي قام عليها كفاح شعبكم الأبي.
وليس من الصدفة أن تندلع الثورة المسلحة الجزائرية أشهُرًا بعد معركة ديان بيان فو Dien Bien Phu، كلُ هذا يبرهن بأن شعبيْنا كانا في طليعةِ حركةِ تصفيةِ الاستعمار التي مَيَّزَت القرن العشرين.

إنّ المأساة التي عاشها الشعب الجزائري والشعب الفيتنامي وظروف القمع والدَمَار التي تعرّضَا لها أنشأت بيننا علاقة تضامن مثالية.
كل ذلك يحمّلنا مسؤولية خاصة أمام الأجيال الصاعدة وأمام التاريخ، لنحافظ على هذا الإرث حتى يبقى في ذاكرة كل شعوب العالم.

السيّد الرئيس،

ورغم كل هذا نواجه اليوم نوعًا جديدًا من الإهانة يتمثل في بروز تيّار فكري وسياسي يسعى إلى تمجيد الاستعمار وتبرير جرائمه البشعة ضدّ الإنسانّية.
واحترامًا للتضحيّات الجسام التي قدّمتها شعوبـنا من أجل كرامة الإنسانيّة وإسهامها، الذي لا نظير له، في تحطيم الظلم والاستبداد، يتوجّب علينا اليوم أن نفكّر معا في الأسلوب العملي الذي نَصُدّ به هذه المحاولات التي تُعَدّ إهانة لكلّ الشعوب التي عانت من جرائم الاستعمار.
هذه المحاولات التي تهدف إلى تزييف التاريخ وتشويه الحقائق وتهدد هويتنا ومكانتنا في التاريخ، كما تهدف إلى نكران القيم التي ميزت نضال شعوبنا.
إنّ البرلمان الجزائري على استعدادٍ دائم للعمل في هذا الاتجاه بالتنسيق معكم ومع كلّ ممثلي الشعوب في برلمانات العالم التي مرّت بنفس المآسي للردّ بقوة على محرّفي التاريخ وإفشال النوايا السيئة ذات الطابع العُنْصُري.

السيّد الرئيس،

أودّ كذلك أن أغتنم هذه الفرصة لأعرب لكم عن تقديرنا واعتزازنا بسياستكم الرشيدة التي قادت بلدكم نحو تنمية مثالية رغم الظروف الصعبة التي خلفتها تلك الحرب الرهيبة.
"إن أمتكم العظيمة والشجاعة، نضجت بفضل الأحداث، والتغلب على الشدائد وحققت وحدتها مرة أخرى وأخذت طريقها لاعادة الإعمار". فهذه الكلمات البليغة، أشاد فخامة رئيس الجمهوريّة السيّد عبد العزيز بوتفليقة، خلال زيارته لبلادكم في أكتوبر 2000، بالاستراتيجية الجريئة والطموحة التي اعتمدتموها.
إنّ الاقتصاد الفيتنامي يعتبر اليوم من بين الاقتصاديات الأكثر ديناميكية في القارة الآسيوية، كما يعتبر الفيتنامVietnam من الدول الصاعدة التي يتعيّن عليها لعب دور أكبر وأهم في الساحة الإقليمية والدوليّة سواء على المستوى السّياسي أو الاقتصادي.
فكفاحكم بالأمس أثار آمال العديد من الشعوب التي عانت من الظلم والاحتلال وإنجازاتـكم في المجال الاقتصادي اليوم تشكل نموذجًا لدول تعاني ويلات البؤس والتخلف.

السيّد الرئيس،

إنّ زيارتنا هذه تعد امتدادا للزيارات الرسميّة التي قام بها كل من فخامة رئيس الجمهوريّة السيّد عبد العزيز بوتفليقة إلى الفيتنام في سنة 2000 وزيّارة الرئيس تران دوك لينغ Tran Duc Luong إلى الجزائر في ديسمبر سنة 1999. تلك الزيارات فتحت آفاقا واسعة لتطوير العلاقات الثنائية في شتى المجالات.
ونحن كهيئات برلمانية علينا أن نسهم ضمن صلاحياتنا الدستورية في تعزيز وتعميق هذه العلاقة الثمينة.
ونظرا لبعض العوائق، ومنها بعد المسافة بين بلدينا فإن حصيلة التعاون الاقتصادي لم تصل إلى المستوى المطلوب، رغم للقدرات والإمكانيات المتوفرة لدى البلدين. فعلينا أن نرفع مستوى التبادلات التجاريّة مع بلدكم إلى نفس مستوى التبادلات مع الدول الآسياوية الأخرى.
إنّ برنامج دعم التنمية الذي قرّره فخامة رئيس الجمهوريّة والمقدر ب 150 مليار دولار للاستثمارات العموميّة يمنح فرصًا كبيرة للشراكة بين المؤسسات الجزائريّة والفيتناميّة التي ينبغي استغلالوها.

فكونوا على يقين السيد الرئيس أن الجزائر، شعبا وحكومة مستعدة للعمل على ترقية تعاون طموح حتى نترجم الإرادة السياسية المتوفرة على أرض الواقع.

السيّد الرئيس،

في هذا السياق نريد كذلك تكريس تعاون في مستوى طموحاتنا بين المجلس الشعبي الوطني والمجلس الوطني الفيتنامي على المستوى الاقتصادي. ونحن نولي أهميّة خاصة للتعرف على نظامكم الاقتصادي الذي انتقل من اقتصاد مخطط وممركز نحو اقتصاد سوق حرّ وناجع، ولاشك أنّ هذه المرحلة الانتقاليّة تطلّبت منكم سيّاسات شجاعة وإصلاحات هيكليّة ناجعة مرتكزة على نصوص تشريعية ملائمة.
إنّ الجزائر تعيش اليوم مرحلة انتقاليّة، تحاول من خلالها التوفيق بين اقتصاد سوق تنافسي وفعّال ومتطلبات العدالة الاجتماعيّة، لذا فإنّ تجربتكم في هذا المجال تكتسي بالنسبة إلينا أهمية خاصة.

إنّ الجزائر بصدد التفاوض للانضمام إلى المنظمة العالميّة للتجارة OMC، والفيتنام عضو في هذه الهيئة على إِثْرِ مفاوضات طويلة دامت أكثر من عَشْرِ سنوات وإنّ تقييم مسار الانضمام بجوانبه الإيجابية والسلبية وكذا النتائج المترتبة عنه على المستوي الاجتماعي، يمكنها أن تفيدنا في التفكير في كيفية التحكم بنجاعة في هذه المفاوضات.
من هذا المنطلق، أقترح أن نفكّر سويا في إنشاء مجموعة دراسات على مستوى مجلسينا تتولى هذه الجوانب.
وإن الاستعانة بخبرائكم المختصين الذين قادوا هذا المسار تكتسي بالنسبة لنا أهمية بالغة لنستفيد من تجربتهم وتوجيهاتهم في مناخ تسوده الأخوة والثقة المتبادلة. كما أن "برتوكول- الإطار" للتعاون البرلماني الموقع عليه في 17 ديسمبر2005 بين المجلس الشعبي الوطني والمجلس الوطني الفيتنامي يفتح المجال لتحقيق هذا الاقتراح.
هذا الاتفاق يشكل أيضا إطارًا مناسبًا لترقية التعاون البرلماني القائم بين مجلسينا وتعزيز العلاقات المتميزة التي تجمعنا.

السيّد الرئيس،

إنّ زيارتنا تأتي في فترة حرجة من تطور العلاقات الدوليّة. الأزمة الاقتصادية العالمية، فشل قمة كوبنهاقن Copenhague حول التغيّرات المناخيّة، التدهور المأساوي للوضعيّة في الشرق الأوسط، وغياب أيّ مؤشرات للسلام في الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي، كلها قضايا ذات اهتمام مشترك بين بلدينا.
إنّ المجلس الشعبي الوطني ومجلسكم الموقر معنيان بهذه القضايا. فمن المفيد أن تكون محل تشاور بيننا في المستوى الثنائي وضمن الهيئات البرلمانية المتعدّدة في اللقاءات الدوليّة.

السيّد الرئيس،
السّيدات والسّادة النواب،


أودّ في الختام أن أقول لكم أن زيارتنا هذه قد عمّقت قناعتنا بما يجمعنا من قيم وقناعات ومبادئ وعلاقات وهذا ما يمكّننا من القيام سويا بالكثير على المستوى الثنائي والدولي. وإنّ تضامننا الدائم والإمكانّيات الماديّة والبشريّة المتوفرة لدينا تفتح آفاقا واسعة للتعاون من أجل تعزيز علاقاتنا والدفاع عن مكانتنا بين الأمم.
سنغادر بلدكم بذكريات لا تنسى. ولقد تأثرنا بضيافتكم الأخوية وحرارة الاستقبال وكل العناية التي حضينا بها خلال إقامتنا، كل هذا يبرهن على مستوى الصداقة العميقة التي تربطنا ويعبر عن شمائل شعبكم المِضْيَافْ.

أعرب لكم مرة أخرى باسمي ونيابة عن الوفد المرافق لي عن عميق شكري وامتناني.


أشكـركـم علـى كـرم الإصغـاء.