الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
المجلس الشعبي الوطني

خطاب للسيد عبد العزيز زياري
رئيس المجلس الشعبي الوطني
بمناسبة اليوم البرلماني
حول موضوع الجزائر الحرب ضد الاستعمار 1830 –1954

المقاومة الشعبية والانتفاضات المسلحة
والحركة الوطنية إلى ثورة التحرير

 



السيّـد وزيـر المجاهديـن،
السيّـد الأميـن العـام للمنظمـة الوطنيـة للمجاهديـن،
السيّـد الأميـن العـام للمنظمة الوطنية لأبناء الشهـداء،
السيّـدة وزيـرة الثـقافـة،
السّـادة الـوزراء،
مجاهداتـنا الكريمـات،
مجاهديـنا الأفاضـل،
السيّـدة والسـادة نـواب رئيـس مجلـس الأمـة،
السيّـدات والسّـادة النـوّاب،
الضيـوف الكـرام،

 



إنّ الجزائر الحرّة والمستـقلة التي تحـيي بعد يومين الذكرىالـ55 لاندلاع ثورة الفاتح من نوفمبر 1954 المجيدة، قد رأت النور بفضل المولى عزّ وجل، وبفضل تضحيّات كلّ الذين أعطوا الشرارة الأولى، لانطلاق ثورة التحرير، هؤلاء الذين سجّـلوا بأحرف من ذهب ودم العهد بتـكريس حياتـهم لحريّة شعبهم .

وبهذه المناسبة أدعوكم سويا حضرة السيّـدات والسّـادة إلى الوقوف للـترحّم على أرواح شهدائـنا الأبرار.

دقيـقـة صمـت.



أيّتـها السيّـدات أيّـها السّـادة،

لقد أنارت الثورة الجزائريّة دروب الحريّة للعديد من الشعوب المضطهدة عبر العالم ،

وتعزّزت هذه الثورة التي احتـلت مكانة مرموقة في تاريخ تحرّر البشريّة، بشخصيّات بطوليّـة سلكت سبيل المجد؛ قصد ولوج التاريخ مِن بابه الواسع ،

أمّا اليوم؛ يبقى عهد الشهداء راسخا في ضمائرنا، وحيّـا أكثر من أيّ وقت مضى، وما يزال يلهم أعمال العديد من الإرادات الطيّبة التي يزخر بها وطننا على كافة أصعدة المسؤوليّة والعمل ،

لقد أضحى الوفاء لعهد شهدائـنا الأشاوس واجبا على كل مواطن يتمتع بحريّـته، تلك الحريّة التي كـلفتـنا النفس والنفـيس.

يشكل تاريخنا تراثـا هائلا تـنهل منه الضمائر الجزائريّة، إنّه لتراث ثمين بالفعل؛ يجب على الأجيال الحالية والصّاعدة تسليمه كما يسلم مشعـل النور من يـد إلى أخرى لينـير دروبنا، ويحيي مثـلـنا العـليا، من أجل تحقيق كلّ أحلام شبابنا.

أيّتـها السيّـدات أيّـها السّـادة،
تعدّ الثورة المسلحة التي امتـدّ لهـيـبها إلى كل شبر من التراب الوطني، تتويجا لمسار طويل من نضج الحركة الوطنيّة التي بدأت منذ 14 جوان 1830،
وفي هذا اليوم، وأمام المدفعيّة الاستعماريّة والموجة الأولى للغزو المكوّنة من حوالي 60.000 جنديا وضابطا من جيوش العدو الذين نـزلوا من 675 باخرة حربيّة المشكلة لكلّ القوّات البحريّة الفرنسية في ذلك الوقت، لم يكن للجزائريّين خلال المعركة الكبرى الأولى ومعركة سطاوالي سلاح آخر غير بسالـتهم التي ضاعفت شراسة القـتال؛ بشعورهم أنّهم يضيّـعون كلّ شيء إذا ما ضيّعوا حرّيّـتهم .

لقد انتـظمت المقاومة الوطنية بفضل الأمير عبد القادر الذي عكـف على توحيد المناطق والزوايا والقبائل لمجابهة المحـتل الفرنسي، في الوقت الذي كان يقـيم استراتيجيّة الدفاع، ويـلحق بالعدو هزائم نـكراء، في عدد من المعارك ومنها على وجه الخصوص معركة " المقطع"، كما وضع الأسس التـنظيميّة الأولى للدولة الجزائريّة .

لقد تعاقبت المقاومة المسلحة عبر كامل مناطق التراب الوطني طيلة 124 سنة؛ التي كان على رأسها العديد من الأبطال والبطلات،

ودام احتلال الجزائر مدّة طويلة، وكان احتلالا شرسا؛ إذ قام بالقضاء على أكثر من ثـلث الشعب الجزائري، كما دمّـر الجيش الفرنسي مداشر الجزائر قرية قرية بانتهاجه سيّاسة النار والدّم ضدّ الشعب كـله،



أيّتـها السيّـدات أيّـها السّـادة،

لا يجوز للـنظام الاستعماري الذي سلب السّكان الجزائريّين حقوقهم في الحياة والحريّة والسيّادة أن يفخر بأيّ دور إيجابي في الجزائر، لأنّ مهمتـه تمثـلت أولا وأخيرا في حرب إبادة كادت تـفـقد الجزائريين معلم انتمائهم للهويّة الجزائريّة .

إنّ النظام الاستعماري الذي لا يمكنه إطلاقا أن يكون مرادفا للـتفتح على الحداثـة، فـقد فـكـك أواصر مجتمعنا، وتجـرّأ على قيمنا الحضاريّة، وتـقاليدنا العريقة، وثـقافتنا الأصيلة، وديننا الحنيف.

فوجوده في الجزائر يرادف المجازر، والقتل، والاختـناق بالدخان، والإبادة، والتعذيب، والرعب، والانـتهاك، والاغتصاب، والتـدنيس، والاعتـداء على حرمة الأموات، والتـدمير، والسلب بجميع أشكاله، وتجريد السكان كلهم من شخصيتهم ومن أراضيهم ومن أملاكهم ومن جذورهم، والنـفي الفردي والجماعي، والإهانة، وتشويه الثـقافة، وجرائم أخرى ضد الإنسانية لا تغـتـفر ولا يمكن إسقاطها بالتـقادم .

هذه الجرائم يتعيّن عليكم أنتم معـشر المؤرّخين تناولها بالرّزانة التي يقـتضيها كلّ عمل ذي مصداقيّـة؛ عمل يرمي إلى البحث عن الحقيقة .

أيّتـها السيّـدات أيّـها السّـادة،

إنّ جنرالات فرنسا وضباطها الذين يزعمون أنّهم متـشبعون بقـيم الحريّـة والمساواة والأخوّة والـذين يـتظاهرون باحترامهم بـيان حـقوق الإنسان والمواطن تمّ تـقـليدهم الأوسمة جرّاء اقـترافهم الجرائم ضدّ الإنسانيّـة في الجزائر، على غـرار الجيـنرال دولامورسيير " De Lamoricière " الذي رقي إلى منصب وزير الحرب بعدما اعترف بأنّـه كان معتـادا في الجزائر على" قطع رؤوس الرجال كلما شعر بالضجر كما لو كان يقطع رؤوس الخرشف ".

وفيما بعد، شهد " الوجود الفرنسي بالجزائر" فترة التجارب النوويّة والكيماويّة والبكـتريولوجية في الصحراء الجزائريّة التي تمّ تجريـبها على السكان المحليـين، حيث جعلوا من البشر أدوات للتجارب، وخـلفت هذه التجارب النوويّة أضرارا بشريّة وصحيّة، وبـيئيّة أبديّـة.

ولم يمنح للجزائريين إلا حقـا واحدا خلال الليل الاستعماري الطويل وهو الذهاب للموت من أجل نصرة قضيّة الغازي الفرنسي في الحروب العالمية الأولى والثـانية في معارك عديدة بسيدان sedan وفيردان verdun وطريق السيداتchemin des dammes بمونتي كاسينو monte cassino وبالفيـيتنام Vietnam.



أيّتـها السيّـدات أيّـها السّـادة،

لقد أبادت فرنسا الاستعمارية مليونا ونصف المليون من الشهداء خلال حرب التحرير أضيفوا إلى ملايين الضحايا من الجزائريين الذين سقطوا على يد المستعمر في الفترة الممتدة من 1830 إلى 1954.

وفي الوقت الذي تـنتـظر الجزائر اعتراف فرنسا بماضيها الاستعماري بوعي، واعترافها رسميا بمسؤوليـاتها بالجرائم التي ارتكبتها في بلادنا، وتكون بالتالي قد قامت بخطوة ملموسة نحو مصالحة لا غـنى عنها، مصالحة تطمح إليها الأمـتان الجزائريّة والفرنسيّة، ولكن ما يحدث هو العكس فـفي الضفة الشمالية هناك من يعمل على تمجيد التاريخ الاستعماري وتزيـيف الحقائق، ولكن سيبقى الاحتلال والعدوان والظلم مسجلا في التاريخ الحقيقي كأبشع عمل للاستغلال والاغتراب البشري الذي لم يشهد له العالم المعاصر مـثيلا .

بعد 132 سنة من محاولة محو أثار ثـقافـتنا الأصيلة وتحريم استعمال لغتـينا العربيّة والأمازيغيـّة، وتخريب تقاليدنا وتدمير معالم الإسلام في بلادنا، وتحويل ما تبقى من مساجدنا إلى كنائس، وتـلبيسنا بجنسيّة ونشيد وعلم وأجداد غرباء عنـا، ومحاولة إفراغ ذاكرتنا بالاستيلاء على أرشيفـنا الذي يعود تاريخه إلى ما قبل سنة 1830 .




إنّ النظام الاستعماري أراد تبيـّيض جرائمه بتشويه الحقائق من خلال قانون العار المؤرخ في 23 فبراير 2005 (Loi négationniste) الذي يراد من ورائه التهرّب من المسؤولية إزاء ما اقترف من جرائم ضد الإنسانية، ولكن أحرار العالم واجهـوه، ومن داخل فرنسا ذاتـها، وهنا لابدّ من تسجيل احترامنا وتقديرنا لأصوات المفكرين الفرنسيين الذين انتـفضوا من أجل إجلاء الحقيقة التاريخيّة؛ هذه الأصوات التي تصنع شرف بلادها، وتعبّر عن الضمير الحي للبشريّة برمّـتها.
أيّتـها السيّـدات أيّـها السّـادة،

إنّه لابدّ أن يحيي الجزائريّون تاريخهم ويدوّنوه، التاريخ الحقيقي لـ132 سنة من ويلات ذاق مرارتها مواطنونا، هذا التاريخ الذي يبقى راسخا في ذاكرتـنا الجماعيّة .

إنّ المؤرخين الجزائريين مطالبون بعدم التـنازل عن هذه المهمة النبيلة، وأن لا يفـوّضوا غيرهم للـقيام بها، حتى ولو سلـمنا بأنّ هنالك مفكرين أجانب يتحلـون باستـقلاليّة الضمير، ويؤمنون بالنزاهة يستطيعون وضع أقلامهم ومناهجهم العلمية في خدمة التاريخ الجزائري؛ من أجل إعادة تشكيل سيرورة الأحداث بكل أمانة، دون إهمال حقائق الاستعمار الغاشم.


أيّـتها السيّـدات،
أيّـها السّـادة،


إنّ رهان اليوم يتعلق بتـدوين تاريخ بلادنا لأنّ :

وفي هذا السيّاق أودّ أن أثـني على الأعمال التي أنجزها إلى غاية اليوم مؤرخونا ومنهم الأستاذان المرحومان "محمود قداش" و"ملاي بلحميسي" اللذان رحلا عنـا مؤخّرا تغمّدهما المولى عزّ وجل برحمته الواسعة؛ دون أن ننسى كلّ الذين يواصلون أبحاثهم بجديّة وإخلاص لإنصاف تاريخ بلادنا المشرّف .
 

أيّتـها السيّـدات،
أيّـها السّـادة،


إذا كان التاريخ هو التـقدّم في الوعي بالحريّة حسب "هيقل"، وإذا كان التاريخ هو ذاكرة الشعوب؛ فلكلّ شعب الحق إذا أن يعطي نظرته الخاصة لتاريخه الخاص؛ وأن ينظر نحو المستقبل لأنّ في المستـقبل تحقـق تحدّيات الحاضر، كما أنّـه ملـزم بالحفاظ على ذاكرته حيّـة ليستـلهم منها على الدوام العبـر والحكـم.

إنّ نسيان التاريخ وتجاهله والتـقاعس عن نقـله للأجيال القادمة أمر لا يغـتـفر.

إنّ تدوين تاريخنا واجبـنا اتجاه ملايين الضحايا من الجزائريين المغـتالين والمسجونين والمبعدين والمجرّدين من أملاكهم، والمهضومة حقوقهم، والمهانة كرامتهم من قبل الوحشية الاستعماريّة الممتدة ما بين 14 جوان 1830 و5 جوان 1962، إنّه واجبـنا اتجاه الشعب الجزائري كله؛



أيّـتها السيّـدات،
أيّـها السّـادة،


إنّ موضوع هذا الحدث الذي يجمعنا اليوم في هذه القاعة، حدث تشاركنا في تـنظيمه وزارة المجاهدين، ينطلق من مبدأ واجب هيئتـنا التـشريعيّة إزاء الذاكرة الوطنيّة، سيتـناول الحضور خلاله جملة من القضايا والأفكار التي تسهم في تخليد شعلة الضمير الوطني إلى الأبد .

ومن المؤكد أنّ هناك كثير من التساؤلات والإجابات التي يرتـقبها الرأي العام من الفريق الحاضر الذي يرأسه الأستاذ "محمد القورصو" والذي يعرب له المجلس ولكل زملائه الأساتذة المحاضرين عن عرفانه بالجهود التي سخّرت لتحضير هذا اليوم البرلماني الهام.

وبالمناسبة أقدّم الشكر الخالص إلى معالي وزير المجاهدين وإلى مساعديه على دعمهم الثمين، وأقدّم خالص الشكر إلى مجاهدينا وأبناء شهدائنا على تلبية الدعوة، كما أشكر السيّدة والسّادة الوزراء وأعضاء مجلس الأمة وكافة الحضور الذين شاركونا هذا اليوم البرلماني احتـفاء بتخليد الذكرى 55 لاندلاع الثورة التحريريّة المجيدة .

وفي الأخير أعبّر لكم عن تهاني الحارة بمناسبة عيد أوّل نوفمبر المجيد .


أشكركـم علـى كـرم الإصغـاء
وأعلـن عـن الافتـتاح الرسمـي لأشغالـنا