بيان السياسة العامة المقدم من قبل رئيس الحكومة
أمام المجلس الشعبي الوطني
22 ماي 2005

ـ السيد رئيس الـمجلس الشعبي الوطني،
ـ السيدات والسادة النواب،
ـ السيدات والسادة أعضاء الحكومة،
ـ السيدات والسادة، ممثلي الصحافة،
ـ أيتها السيدات، أيها السادة،


اسمحوا لي السيد الرئيس، وأنا أتـناول الكلمة للمرة الأولى، تحت قيادتكم، أن أعرب لكم عن مدى السعادة التي أشعر بها، وقد عرفتكم شخصيا، وقدّرت فيكم الخصال الفاضلة التي تميزكم، ومدى التزامكم الوطني الذي أثبتموه كلما كانت بلادنا في حاجة إلى خدماتكم.

وإليكم، أيتها السيدات أيها السادة النواب، أقدم تحيات أعضاء الحكومة، الأخوية وتقديرهم؛ وكذا تحياتي الأخوية وتقديري الشخصي. تحيات أخوية، أولا، لأن قاسمنا الـمشترك، هو، قبل كل شيئ، خدمة بلد واحد ووحيد، ألا وهي الجزائر وطننا، ثم تحية تقدير أيضا، لأن الحكومة، في ظل النظام الديمقراطي الذي يطبع بلادنا، تضع نفسها كذلك، وبإخلاص، تحت رقابة البرلـمان، طبقا للدستور.

وبالفعل، فقد جاءت الحكومة اليوم، إلى مجلسكم الـموقر، لتقدم لكم بيانها عن السياسة العامة، تطبيقا لأحكام الدستور، وفي كنف احترام صلاحياتكم.

وإذ سيتطرق هذا البيان بإيجاز، إلى حصيلة سنة 2004، التي سلمت لكم بكل تفاصيلها، فإنه، فيما بعد، سيعكف على رهانات الـمستقبل وتحدياته، ثم على ما تعتزم الحكومة عمله في هذا الإتجـاه.

ـ السيد الرئيس،
ـ السيدات والسادة النواب،
ـ أيتها السيدات، أيها السادة،

لقد عملت بلادنا، خلال السنة الفارطة، على تعزيز الأمن عبر ربوع ترابها، مثلما عملت على تدعيم استقرارها أكثر.

ففي الـميدان الأمني، تميز الوضع بتراجع كبير لحجم الإضرار الإرهابي الدنيئ، في ذات الوقت الذي تسجل فيه المصالحة الوطنية، التي تبنّاها السيد رئيس الجمهورية، مزيدا من الإقبال والـمساندة؛ مصالحة سيتم، عندما يحين الوقت، استشارة الشعب، صاحب السيادة، مباشرة، حولها وحول الإجراءات الـموجهة لـمرافقة هذا الـخيار.
 
إن تراجع الإرهاب لم يكن ثمرة تدارك هؤلاء الشباب الذين استمسكوا بيد بلادهم الـممدودة، وفضلوا الـعدول عن سلوك سبيل الجريمة، فحسب، بل إن تراجع الإرهاب قد كان خاصة، ولايزال ثـمرة الجهود والتضحيات التي تقدمها، يوميا، قوات الأمن الوطنية، من الجيش الوطني الشعبي، والدرك الوطني والشرطة، وكذا، من الحرس البلدي ومجموعات الدفاع الذاتي، التي تشارك بفعالية في هذا الكفاح. فإلى كل هؤلاء، أتوجه من هذا الــمقام رسميا، بتحيات وتقدير الحكومة والأمة قاطبة.

وفيما يتعلق بالإستقرار الوطني، فقد اتسم بتقدم جديد، بفضل حل أزمة منطقة القبائل التي طالـما آلـمت بلادنا بأسرها.

وبالفعل، فإن الجهد الذي بذله السيد رئيس الجمهورية، لسنوات طويلة، من أجل إيجاد حل لهذه الأزمة، والحوار الذي كلّفت الحكومة بإجرائه وعكفت عليه بكل صبر، قد أفضيا أخيرا، إلى حصول اتفاق، بتاريخ 15 جانفي الفارط، يقضي بتطبيق أرضية القصر من قبل الدولة، في إطار الدستور وقوانين الجمهورية، وبالتعاون مع حركة العروش التي بادرت بهذه الأرضية؛ وهو الإتفاق الذي سيطبق بوفاء، نصا وروحا.

لقد أدى هذا الإتفاق إلى ظهور بعض الإحتجاجات السياسية. لذا، فإني أحرص هنا على التأكيد بأن هذا الـمسعى لا يستهدف أيا كان، لأن فلسفته في حد ذاتها، ليس لها من هدف آخر سوى تعزيز الوحدة الوطنية الـمقدسة، ودعم دولة الحق والقانون التي نتطلع إليها جميعا، وتعزيز الديمقراطية التي نطالب بها كلنا سويا؛ بل إن هذا الإتفاق يرمي خاصة، إلى تأكيد الـمساواة في الحقوق والواجبات بين كل الـمواطنين أينما وجدوا، بلا أي استثناء ولا أي إقصاء.

من جهة أخرى، فقد استفاد استقرار بلادنا من التحالف الرئاسي الذي أقيم دعما لتجسيد البرنامج الرئاسي بعد أن أيده بدعمه أثناء الحملة الإنتخابية. وما من شك أن هذا التحالف الذي سيتعزز على مر الأيام والتجربة، يكرس قاعدة الأغلبية الـمعمول بها عالـميا؛ وهو يحدد لنفسه هدفا واحدا يتمثل في خدمة الجزائر.

وبالموازاة مع ذلك، فإن تعزيز الأمن ودعم الإستقرار في البلاد، قد أعطيا نفسا جديدا لمكافحة الآفات الإجتماعية وكل أشكال الجريمة. وقد سبق للحكومة أن أودعت لدى مجلسكم الـموقر، حصيلة مفصلة للنتائج الحسنة التي تم بلوغها في السنة الأخيرة في هذا الميدان.

ـ السيد الرئيس،
ـ السيدات والسادة النواب الأفاضل،
ـ أيتها السيدات، أيها السادة،

إن الـمسار الشامل للإصلاحات يواصل تقدمه في كل الـميادين.

وهكذا، لقد قطع إصلاح العدالة، مراحل هامة في هذا السبيل، سواء على مستوى الـمراجعة العميقة، التي لاتزال متواصلة، للقوانين، أو من خلال دعم الوسائل الـمادية والبشرية الـمتزايد باستمرار، أو سواء، في الأخير، من حيث تحديث مناهج القطاع وعصرنتها. وقد أصبحت أولى نتائج هذا التحول تدرك من قبل الـمواطنين، بما في ذلك من خلال الوتيرة التي باتت تعالج بها الـقضايا، وهو ما جعل أقدمها، على مستوى الـمحاكم والـمجالس القضائية، يعود تاريخه إلى أقل من سنة واحدة.
 
كما إن إصلاح دور الدولة ومهامها، سجل، هو الآخر، تقدما؛ يتم من خلال عمليات تكييف هامة للتشريع والتنظيم، وتكوين الإطارات والـمستخدمين، التي سيظل مسارها متواصلا، مثلما يتم عن طريق إدخال الإعلام الآلي على الـمرفق العمومي الذي بدأ يشمل عدة قطاعات، وسيستكمل طوال السنوات الثلاث القادمة.

أما إصلاح الـمنظومة التربوية، فهو يتقدم بدوره، وبشكل ملموس، وهو لايزال يثير بعض الجدل الساخن. ولذلك، تجدونني في هذا الـمقام، ورفعا لكل لبس، حريصا على القول من جديد، بأن اللغة العربية هي الآن وستظل لغة التدريس في النظام العمومي وفي الـمؤسسات الخاصة، وبأن تحديث الـمنظومة الوطنية للتعليم بأكملها، جار وسيتواصل بإرادة أكيدة وحازمة لترسيخ ارتباط طفولتنا وشبيبتنا بهويتنا الوطنية بمقوماتها الثلاثة، التي هي الإسلام، والعروبة، والأمازيغية.

لكن، وفي نفس الوقت، ومهما كانت الـمقاربات السياسوية الـمطروحة، لا يمكن لأية مناورة أن تقف في وجه إصلاح الـمنظومة الوطنية للتعليم الرامي إلى عصرنة البرامج بحثا عن العلم، وإلى تحديث الأطوار الدراسية في كل المستويات لتحسين التكوين وكذا، ترشيد مسعاه حتى نجنب أبناءنا خيبة الأمل في تكوين لا مستقبل له في سوق العمل.

أما في الـمجال الإقتصادي، سأتطرق أولا، إلى إصلاح الـمنظومة الـمصرفية، الذي، وإن كان محل انتقادات مركزة، فإنه يتقدم في الواقع، وسيعطي نتائجه الأولية مع نهاية السنة الجارية. وأن نظام الدفع الجديد الجاري وضعه، من شأنه أن يغير وجه خدمات البنوك الـمحلية.

وفي مجال الإستثمار، فإن الجهود الـمبذولة لدعم تأهيل الـمؤسسات الخاصة، ما فتئت تتعزز، ولكنها تبقى غير كافية، وقد تظل على هذا الحال، إذا لم يتعهد الـمقاولون أنفسهم، بالـمبادرة بالتحسينات الضرورية التي لا يسع الدولة، من جهتها، إلا أن تدعمها.

وبالـموازاة مع ذلك، اتخذت الحكومة الترتيبات الضرورية لتسهيل عملية تأهيل الـمؤسسات العمومية؛ التي مازالت تملك أقساطا هامة في السوق، كما هو الحال بالنسبة لـمعامل الإسمنت، وبعض مؤسسات البناء والأشغال العمومية.

كما بدأت سياسة الخوصصة والشراكة تتقدم، وتجسدت في أكثر من 140 عملية. وتعتبر هذه النتائج الأولى مشجعة للسلطات العمومية التي تعكف الآن مصالحها الـمختصة على دراسة أكثر من 500 عرض جديد. وهي أيضا نتائج مشجعة بالنسبة للإقتصاد، ليس لأنها سمحت بعودة النشاط إلى مؤسسات كانت بالأمس مغلقة، فحسب، بل أكثر من ذلك، لأن عمليات الخوصصة والشراكة التي تمت صياغتها، قد كانت مرفوقة بعقود بقيمة إجمالية تزيد عن 70 مليار دينار من الإستثمارات لتحديث الـمؤسسات الـمتنازل عنها. وأخيرا، فإن هذه النتائج مشجعة أيضا للعمال الذين أحيي فيهم رصانتهم، وقد لاحظوا بأن أية خوصصة ولا أية شراكة انجر عنها فقدان منصب عمل واحد, بل بالعكس من ذلك، فإن كل هذه العمليات قد سمحت بإنشاء أكثر من 5000 منصب عمل جديد.

وبالنسبة لتأهيل الهياكل الإقتصادية، فقد بدأ يتأكد من خلال البحث عن شركاء في شكل تسيير أو امتياز، بالنسبة للمنشآت والـمرافق العمومية. وإذ أثبت هذا الـمسعى جدواه في مجال الـمهاتفة، فإنه يتوسع اليوم، ليشمل قطاع الـمياه بوهران، وقطاع الـموانئ ببجاية، وهو الآن في طور الإستكمال بالنسبة لتسيير الـمياه بالعاصمة، وكذا بالنسبة لـمطار الجزائر الدولي، وسيتقدم أكثر فأكثر على مر الشهور الـمقبلة.
 
إن الحرص على إصلاح الإطار الإقتصادي وأداته من أجل رفع مستوى مردوديته، هو الذي كان منطلقا للمبادرة بالقانون الجديد الـمتعلق بالـمحروقات الذي صادق عليه البرلـمان مؤخرا.

وتجدر الإشارة هنا، إلى أن هذا القانون لا يرمي إلى خوصصة القطاع الإستراتيجي للمحروقات، ولا إلى التراجع عن السيادة الوطنية. بل إنه في الـمقابل، يسعى لتثمين قدراتنا الطاقوية من خلال جلب الـمزيد من رؤوس الأموال لاسيما للتنقيب في مساحة منجمية وطنية لايزال نصفها غير مستغل، بما يضمن لبلادنا البقاء، وإلى أبعد مدى، منتجة ومصدرة للمحروقات. وسيرفع هذا القانون أيضا، من الـموارد الـمالية للبلاد خدمة للتنمية، كما سيتيح أخيرا الإنطلاق في صناعة بتروكيماوية حقيقية التي طالـما انتظرناها.

ـ السيد الرئيس،
ـ السيدات والسادة النواب الأفاضل،
ـ أيتها السيدات، أيها السادة،

لقد قطعت التنمية الإقتصادية الوطنية أشواطا جديدة طوال سنة 2004، كان لها انعكاسها الإيجابي أولا، على مستوى الإقتصاد الكلّي.

وهكذا، بلغ النمو الإقتصادي نسبة %5،2، وبلغ حتى نسبة% 6،2 خارج الـمحروقات. كما تم التحكم في التضخم في حدود %3،6 حتى وإن واصل بذلك ارتفاعه. وفي نفس الوقت، بلغ الناتج الداخلي الخام قرابة 85 مليار دولار. ومن جهة أخرى، لقد تحسن وضعنا الـمالي حيث سجل فائضا قدره 12 مليار دولار على مستوى ميزان الـمدفوعات، بـمديونية تقلصت بحوالي مليارين من الدولارات. كما انتهت السنة الـمالية الـفارطة برصيد إيجابي للميزانية العمومية. وأخيرا، فإن الإستقرار النقدي للبلاد والـمستوى الـمعتدل للتضخم، قد سمحا بانخفاض جديد لكلفة القرض البنكي للإستثمار.

وقد وجد هذا النمو الإقتصادي انعكاسه الـميداني، من خلال ما تحقق من إنجازات ونتائج.

وذلكم هو الشأن في مجال الـمنشآت القاعدية حيث أذكر، على سبيل البيان، شبكة الطرقات التي سجلت إنجاز وصيانة أكثر من 6500 كيلومترا من طرقات مختلفة، وعشرات الـمشاريع الكبرى، وكذا قطاع الـمياه الذي استلم 9 سدود جديدة، وشهد أيضا إنجاز حوالي 3000 عملية أخرى، موزعة بين مماسك مائية، وشبكات للتموين بالـماء الصالح للشرب، وللتطهير.

وكذلك الأمر بالنسبة للنشاط الإنتاجي، مثل القطاع الفلاحي الذي أنهى سنة 2004 بنمو قدره %3،1 مع منتوج معتبر، مثلا، بـ 40 مليون قنطار من الحبوب، و 56 مليون قنطار من البقول، وبحوالي ملياري (2) لتر من الحليب. وكل هذه النتائج تعكس أهمية الإمكانيات التي جنّدتها الدولة لدعم الفلاحة وكانت آثارها إيجابية لاسيما من خلال توسيع الـمساحة الزراعية والرعوية وتحديث الـمستثمرات. وقد شهد بدورهما، أيضا، كل من التنمية الريفية والصيد البحري نفس الديناميكية التي اتسم بها هذا النمو.


 
أما قطاع الخدمات، فقد عرف بدوره نموا بنسبة %7،7. ويمكن أن نذكر السياحة، على سبيل الـمثال، التي تعززت بـ 48 نزلا جديدا، بطاقة قدرها 3500 غرفة، في حين تجري الأشغال لإنجاز 51 نزلا آخر بطاقة إضافية بحوالي 4000 غرفة.

وإذ يسجل قطاع الصناعة العمومي والخاص، نموا قدره %1،3، فإنه مع ذلك يواصل تراجعه في بعض الـميادين مثل النسيج والصناعة الغذائية.

وبالنسبة لقطاع الطاقة، الذي يعد العمود الفقري للإقتصاد الوطني، فقد استفاد من الأسعار الدولية، ولكنه استهلك أيضا الكثير من الجهود الإنتاجية. ونسجل أن الإحتياطات الوطنية من الـمحروقات قد ازدادت بفضل التنقيب والإكتشافات. كما شهدت قدرات الإنتاج والتصدير نفس التقدم بفضل الجهود الـمبذولة في ميدان الـمنشآت. وكذلك الأمر بالنسبة لإنتاج الكهرباء الذي ارتفع بدوره بـنسبة % 8،5، بفضل تشغيل مراكز جديدة في حين توجد مراكز أخرى أكثر أهمية قيد الإنجار.

إن التحسن الذي عرفته الوضعية الإقتصادية خلال السنة الـماضية، وكذا التحسن الذي سوف تشهده السنوات القادمة، كان نتيجة لحجم الإستثمارات، غير الـمسبوق، الذي تم رصده في السنة الفارطة.

ولاشك أن التشاؤم مازال ينتاب البعض حول الإستثمار في بلادنا، جزائريا كان أم أجنبيا، غير ان الأرقام تقدم أدلة دامغة في هذا الـمجال.

وفي هذا الإطار، اسمحوا لي بأن أقدم لكم بعض الـمقارنات بين سنة 2004 والفترة الـممتدة من سنة 1999 إلى سنة 2003، وهي الفترة الخمسية التي حكمنا جميعا، حكما صادقا، على أنها طبعت نهضة الإقتصاد الجزائري.

أولا: فيما يتعلق بالحجم الإجمالي للاستثمارات، بما في ذلك من خلال ميزانية الدولة للتجهيز، فإن بلادنا قد اعتمدت في سنة 2004، مبلغ 1175 مليار دينار، أي نسبة % 32 من مبلغ 3677 مليار دينار الذي أنجز بين 1999 و 2003.

ثانيا: على صعيد الاستثمار الوطني الخاص، فإن سنة 2004، قد سجلت مبلغ 256 مليار دينار، أي ما يعادل %52 من مبلغ 494 مليار دينار التي تمت تعبئتها بين 1999 و 2003.

ثالثا: وأخيرا، بلغ الاستثمار الأجنبي، خارج الـمحروقات، مبلغ 154 مليار دينار في سنة 2004، أي نسبة % 113 ، من مبلغ 136 مليار دينار الـمنجز بين 1999 و 2003.

ـ السيد الرئيس،
ـ أيها النواب الأفاضل،
ـ أيتها السيدات، أيها السادة،

إن النتائج الـمحققة على الصعيد الاقتصادي لا يمكن إلا أن تكون لها آثار إيجابية على ظروف معيشة الـمواطنين.
 
وهكذا، سجلت البطالة تراجعاً متزايدا، إذ انخفضت من % 23,7 في 2003، إلى % 17,7 في 2004، وكان هذا التراجع نتيجة لاستحداث حوالي 720.000 منصب شغل جديد، في السنة الماضية، منها 230.000 معادل منصب شغل سنوي مؤقت. وفي سياق تراجع البطالة هذا، واصل الفقر أيضاً انحصاره حيث انخفضت، نسبته من % 8 من السكان في 2003 إلى % 6,8 في 2004.

وفي ميدان الصحة، فإن قدرات البلاد، التي ارتفعت بأكثر من 160 منشأة صحية جديدة، وأكثر من 2000 طبيب جديد، قد سمحت بالتكفل الأمثل بالسكان. وهكذا، انخفضت نسبة الوفيات لدى النساء عند وضع حملهن إلى 99 في 1000، وانخفضت نسبة وفيات الأطفال في السنة الأولى من العمر إلى حوالي 30 في 1000، أما نسبة تغطية عملية تلقيح الأطفال فلقد بلغت الآن % 90، في الوقت الذي ارتفع معدل الأعمار لدى السكان عموما ليقترب من 75 سنة.

وقد شهدت بلادنا، في ميدان التربية، والتعليم، والتكوين، ارتفاع العدد الإجــمالي لتلاميذها ومتدربيها وطلبتها، ليبلغ 9.500.000 فرد، وعلى هذا الأساس، فإن ما يقارب ثلث مجموع شعبنا يلتحق، كل صباح، بمقاعد الدراسة والتكوين.

بالفعل، فعلى مستوى التربية الوطنية، فإن التعداد يقارب 8 ملايين تلميذ، وتقترب نسبة تمدرس الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و 15 سنة، من %94، مع الإشارة إلى أن هذه النسبة لدى الإناث تفوق % 92. كما تسجل النتائج الـمدرسية تحسنا مستمرا، وهو ما يعكسه النجاح في شهادة البكالوريا الذي ارتفع من % 33 إلى % 42 .

إن هذا التحسن هو ثمرة تعزيز مستمر للهياكل التربوية، مرفوقا بحشد الوسائل لفائدة التلاميذ في الوسط الريفي وأبناء العائلات الـمحرومة، والتي منها إنجاز حوالي 500 وحدة جديدة من مدارس داخلية، ومطاعم ونظام نصف داخلي، وتخصيص قرابة 450 حافلة جديدة خلال السنة الـماضية، للنقل الـمدرسي.

أما الجامعة فهي تتطور بدورها في خضم صعوبات كبيرة، باعتبار أن عدد الطلبة قد تضاعف، تقريبا، في غضون 5 سنوات، ليبلغ حوالي 800.000 طالب مسجل في 2004، منهم % 57 من الإناث.

صحيح أن الجامعة استلمت في السنة الـماضية حوالي 62.000 مقعد بيداغوجي جديد، مقابل 30.000 في سنة 2003، إلى جانب 50.000 مكان إيواء مقابل أقل من 20.000 في سنة 2003،إلا أن ذلك يبقى غير كاف للتقليل من حدة الضغط الذي يوجد أيضا على مستوى التأطير وذلك بالرغم من ارتفاع عدد الـمدرسين بحوالي 3.000 إطار جديد.

إن هذا الضغط يؤكد ضرورة إصلاح التعليم العالي وكذا ضرورة التعجيل بنفس التغيير على مستوى الخدمات الجامعية.

وفيما يخص التكوين الـمهني، فإن تحديثه مازال مستمرا وإصلاحه متواصلا، وتعززت قدراته بأكثر من 40 مؤسسة تكوين جديدة. وقد تضاعف تقريبا تعداد الـمتدربين والـممتهنين ليبلغ 700.000 فردا، منهم % 43 من الإناث.

 
أما في ميدان السكن، أنجزت بلادنا في السنة الـماضية قرابة 117.000 مسكنا جديدا؛ فضلا عن الجهد الذي بذل في مجال الترميم الذي شمل أكثر من 450.000 مسكنا، منها 120.000 بناء قديما؛ وكان هذا بالـموازاة مع التكفل بالـمناطق الـمنكوبة من جراء الكوارث.

وهكذا، تمت إزالة آثار الزلزال الذي حدث في ماي 2003 بفضل ترميم 170.000 مسكنا، إضافة إلى إعادة إسكان 4000 عائلة في سكنات جديدة، وهي عملية ستمس 8.000 عائلة أخرى خلال هذ السنة.

وفي ولاية أدرار، استفاد السكان الـمنكوبين جراء الأمطار الطوفانية التي تهاطلت في السنة الـماضية، من برنامج استعجالي هو الآن قيد الإنتهاء، يتضمن إنجاز 7.000 مسكن جديد، وترميم 8.000 مسكنا متضررا.

لقد رافقت الجهود في مجال السكن، جهود أخرى لتوفير ظروف الـمعيشة الكريمة للمواطنين؛ حيث أنه علاوة على التموين بالـماء الشروب، تم خلال سنة 2004، ربط 145.000 مسكن بشبكة التزويد بالغاز، وربط 45.000 مسكن ريفي بشبكة التزويد بالكهرباء.

كما تدعم التكفل بالشباب والنشاط الرياضي باستلام حوالي 700 منشأة رياضية جديدة، و 40 دارا جديدة للشباب. ونالت الثقافة، هي الأخرى نصيبها من هذا الدعم، حيث تم استلام حوالي 50 منشأة ثقافية جديدة عبر الوطن.

إن استعراضي هذا، لـملخص عن حصيلة السنة الـماضية، ليس إلاّ وفاء بواجب دستوري حتى وأن حمل في طياته رسالة أمل لشعبنا الـمثـقل بالتحديات التي لازالت تستوقفه؛ رسالة هي بالتأكيد بعيدة كل البعد عن الإرتياح الذاتي الذي مازال بعيد الـمنال في أي ميدان. ومن ثمّ، لا يجب لأي كان أن يستخلص من هذه الـحصيلة وهذه الرسالة دعوة للتهاون في الجهد أو للشعبوية، أو أكثر من ذلك، إلى فسح الـمجال للديماغوجية.

وفي هذا الـمنظور، ألتمس منكم مزيدا من الصبر حتى أشاطركم بعض الـمعطيات وبعض الأفكار.

ـ السيد الرئيس،
ـ سيداتي، سادتي النواب الأفاضل،
ـ أيتها السيدات، أيها السادة،

لقد أشرنا إلى أن الوضع الأمني قد تحسن بشكل كبير عبر التراب الوطني. غير أن هذه الـمعاينة يجب ألا تنسينا بأن جزائريين مازالوا يستشهدون في عمليات مكافحة الإرهاب، وأن مواطنين ومواطنات مازالوا يُغتالون من قبل الجماعات الهمجية حتى وإن تم تقليصها ومطاردتها. إنه واقع أليم يظل يستوقفنا ويمكن أن يتكرر في أية لحظة كما هو الحال في بلدان أخرى.

صحيح أنه من واجبنا جميعاً أن نساند الـمصالحة الوطنية التي ينضوي شعبنا تحت لوائها، وأن نستعد لتجسيدها، عندما يحين الأوان لاستشارة الأمة السيدة بشأنها وبخصوص التدابير التي ترافقها. غير أنه يجب علينا كذلك، وفي نفس الوقت، ألا ننسى أنه من مسؤوليتنا جميعا الوقوف في وجه الإرهاب الإجرامي.
 
بالفعل، إنه من واجب كل واحد أن يدين جرائم الإرهاب الوحشية بكل شدّة، لأن ضحاياه هم أهالينا. كما إنه من واجبنا أن نسعى إلى إبقاء التجند قائما في مجتمعنا ضد الـمجرمين الجبناء، لأن أمن سكاننا يتوقف على ذلك.

إن مسعى السيد رئيس الجمهورية لا يرمي إلى تحقيق الـمصالحة الوطنية فحسب، بل يرمي أيضا إلى إحلال السلم الـمدني في البلاد، بما في ذلك عن طريق العفو.

لكن يجب ألا ننسى أو نتظاهر بالنسيان بأن هذا الـمسعى ذاته ينطوي أيضاً على وجوب محاربة الـمجرمين دون هوادة؛ وهو عزم ما فتئ يجدده الـمسؤول الأول في البلاد، ويتجلّى يومياً في الكفاح الـميداني الذي تخوضه قوات أمننا بكل بسالة.

غير أن هذا العزم وهذا الكفاح يحتاج إلى رفض الجريمة وإلى أشد التنديد بالإرهاب من طرف الطبقة السياسية، وإلى تجند جميع الـمواطنين بكل يقظة، قصد التعجيل بإنجاز الأهداف التي تتوخاها الـمصالحة الوطنية سواء تعلق الأمر بالسلم الـمدني أو بزوال الإرهاب الإجرامي نهائيا.

ـ السيد الرئيس،
ـ أيها النواب الأفاضل،
ـ أيتها السيدات، أيها السادة،

لقد عرضت عليكم كذلك، الأشواط التي حققتها بلادنا في مجال مكافحة الآفات الاجتماعية والإجرام بمختلف أشكاله.

وفي هذا الـميدان، فإن ترسانتنا التشريعية وقدراتنا في مجال الـمكافحة، ستشهد تعزيزات هامة خلال السنوات الـمقبلة. غير أن هذه الـمكافحة تحتاج هي الأخرى، إلى تجند الـمواطنين ومساهمتهم لأن الرهان يكمن في استعادة سلطان القانون ضد الـممارسات الإجرامية التي تنخر الاقتصاد الوطني، وضد الشبكات التي تزرع سموم الـمخدرات في أوساط شبابنا، وضد كل الآفات الإجتماعية التي تفتك بمجتمعنا، وتعتدي على أمن وسلامة مواطنينا.

وقد يحاول أصحاب الريع الذين ازدهر نشاطهم في السنوات العصيبة، ولا شك أنهم سيحاولون دوماً، عرقلة حركية تعزيز دولة القانون، وسينشرون البلبلة، كلما أُتيحت لهم الفرصة، بواسطة الإشاعات الـمغرضة، أو من خلال محاولة إثارة السكان بل وحتى عن طريق اللجوء إلى التهديد والاعتداء. وتلكم هي حقائق تجعل التزام الدولة بهذه الـمكافحة في حاجة ملحة إلى الحس الـمدني لتجنيد الـمجتمع برمته في هذه الـمعركة.

فبلجوء الـمواطـنين للـمحاكم كلّما تـم الـمساس بمصلحة الـمجتمع، سنحقق معا نتائج أكثر أهمية في مكافحة الآفات والجرائم. كما يمكن للمواطنين أن يقدموا مساهمة هامة كذلك، بالإبتعاد عن الفوضى التي غالبا ما تتخذ ذريعة لاستقطاب اهتمام السلطات العمومية وقدرات قوات الأمن في صالح أولئك الذين ينهبون ثروات البلاد. ويمكن أيضا للمجتمع أن يسرع بتعزيز دولة الحق والقانون من خلال تشبث ملموس وفعال بالقاعدة الجوهرية لهذا الـمسعى ألا وهي الـمطالبة بالحقوق والتكفل بالواجبات معا.

وفيما يخصها، فإن الحكومة عازمة كل العزم للسهر، بالإعتماد على العدالة، على فرض احترام القانون من قبل الجميع وفي كل الظروف، سواء تعلق الأمر بالجريمة، أو التهريب، أو الرشوة، أم تعلق بالعنف والفوضى أو رهن حقوق الـمواطنين عن طريق الإفراط في الإحتجاج.
 
ـ السيد الرئيس،
ـ أيها النواب الأفاضل،
ـ أيتها السيدات، أيها السادة،

لقد وافتكم الحكومة أيضا، بالـمعطيات التي أفاد بها الديوان الوطني للإحصائيات، والتي تؤكد تراجع نسبة البطالة إلى % 17,7 ، وهو تقدم هام عندما نتذكّر أن هذه النسبة كانت تقدّر بحوالي % 30 سنة 2000 فقط. لكن هذا التقدم يجب ألاّ يُنسينا أنه يوجد في بلادنا حالياً قرابة 1.700.000 عاطل عن العمل، % 73 منهم تقل أعمارهم عن 30 سنة. كما يجب أيضا، ألاّ يغيب عن ذهننا، أن أزيد من 11 مليون من السكان حالياً، لا تتعدّى أعمارهم 17 سنة.

ومثل هذا الرقم يستوقفنا من أجل القيام، من الآن، بتقدير الـملايين من مناصب العمل التي يجب على الجزائر أن تعكف على استحداثها، ومئات الآلاف من الـمقاعد الجديدة الواجب توفيرها في الـمستقبل، في الـمدارس والجامعات، وكذا، ملايين السكنات الـمطلوبة بالنسبة لكل الأسر التي ستؤسـس مستقبلا.

وبنفس الـمنوال، فإن الحكومة التي أفادتكم ببيان مشجّع للاقتصاد الوطني، تودّ تذكيركم بأرقام أخرى مثيرة للانشغال.

وعلى سبيل الـمثال، فإذا كانت وارداتنا قد ارتفعت من 13 مليار دولار سنة 2003، إلى 18 مليار، سنة 2004، فإن صادراتنا خارج الـمحروقات لم تتطور سوى من 470 إلى 788 مليون دولار خلال نفس السنة.

إن هذه الـمقارنة وحدها تعكس الخطورة كلها لهشاشة اقتصادنا، في حالة ما إذا شهدت السوق العالـمية للبترول تقلبا جديدا ولو على الـمدى الـمتوسط. بالإضافة إلى ذلك يجب ألا ننسى انفتاح بلادنا على الإقتصاد العالـمي، ونحن ندرك أن التفاوض من أجل الانضمام إلى الـمنظمة العالـمية للتجارة متواصل، ونعلم أن اقتصادنا سيندمج في منطقة حرة كاملة مع أوروبا من هنا إلى سنة 2017، أي في غضون 12 سنة فقط.

ومن هذا الـمنطلق، واعتبارا لنقائصنا الراهنة وتحديات الـمستقبل، يجب علينا جمعياً أن نرسم معاً النهج الذي ينبغي اتباعه من أجل تطوير بلادنا وبناء اقتصادنا على أسس دائمة، لكي نجنب شعبنا، في الـمستقبل، خيبة أمل جديدة بعد فترة الرخاء الذي تشهده بلادنا اليوم، حتى وإن كان نسبياً. وإن الجزائر تملك الـمؤهلات الكفيلة برفع هذا التحدي، ويبقى عليها فقط، استغلالها بشكل مثمر أكثر، بمساهمة الجميع وفي فائدة الجميع.

إن برنامج السيد رئيس الجمهورية، الذي زكاه شعبنا بالأغلبية الساحقة، قد رسم النهج الواجب إتباعه؛ كما توضح هذا النهج أكثر عبر برنامج الحكومة الذي حظي بتزكية مجلسكم الـموقر يوم 22 ماي 2003، والذي قدمنا لكم اليوم، حصيلة سنـته الأولى.

واستسمحكم الآن، لأعرض عليكم الأهداف والـمراحل التي يتجه لها العمل الحكومي مستقـبلا.

 
ـ السيد الرئيس،
ـ أيها النواب الأفاضل،
ـ أيتها السيدات، أيها السادة،

بخصوص حشد الـموارد والوسائل في خدمة التنمية، فقد أعلن السيد رئيس الجمهورية شخصياً للشعب الجزائري يوم 7 أفريل الـمنصرم، عن البرنامج التكميلي الضخم لدعم النمو في الفترة الـممتدة من سنة 2005 إلى سنة 2009؛ برنامج رُصد له مبلغ 4200 مليار دينار؛ برنامج سيدرس من قبل مجلسكم الـموقر، بمناسبة تقديم مشروع قانون الـمالية التكميلي للسنة الجارية ومشروع قانون الـمالية لسنة 2006.

لذا، سأتجنب الخوض في محتوى هذا البرنامج الخماسي، وسأطلعكم الآن، على الـمنهجية التي سنسلكها في تنفيذه وعلى الغاية الـمنشودة من تجسيده.

ففيما يتعلق بالـمنهجية، فإن الحكومة ستسهر، في الـمقام الأول، على الانطلاق الشامل للـمشاريع التي يتضمها هذا البرنامج الخماسي. فكلما تم إنضاج مشروع ما، تعلن بشأنه الـمناقصة، وكلّما أُبرم عقد ما، تم الانطلاق في الأشغال؛ وذلك كله، من أجل تقليص آجال الإنجاز. إن هذا الإجراء ذاته هو الـمعمول به حالياً بخصوص برنامج الـمليون سكن الذي حُدّدت له جميع الوعاءات العقارية لإنجازه، والذي تعرض بشأنه الـمناقصات يوميا وبكثافة.

وفي الـمقام الثاني، سيتم تمويل مجمل هذا البرنامج من الـموارد الوطنية الـمتوفرة. إن هذا الخيار، من شأنه أن يجنّبنا الآجال الطويلة في الـمفاوضات الـمتعلقة بالقروض الخارجية، كما سيسمح بتفادي إثقال الـمديونية الخارجية للبلاد؛ مديونية ستعمل الحكومة على تخفيض مستواها من 21 مليار دولار حاليا، إلى حوالي 10 ملايير في نهاية سنة 2009. ولن تقبل بلادنا اللجوء إلى قروض خارجية إلاّ في حالة قروض امتيازية على مدى جدّ طويل وبشروط مفيدة للغاية.

أما في المقام الثالث، فإن تمويل الأشغال سيتم بشكل مستمر قصد تفادي الانقطاعات الـمألوفة وذلك بفضل إجراءات ستقترحها عليكم الحكومة بمناسبة دراسة قانون الـمالية.

وأخيراً، وفي الـمقام الرابع، سيتم فتح الإعلان عن الـمنافسة لإنجاز جميع ورشات البرنامج، على الـمؤسسات الوطنية والـمؤسسات الأجنبية، على حد سواء. ذلك أن قدراتنا الوطنية للإنجاز غير كافية بل ومنعدمة أحياناً في بعض الـميادين. إن مشكلتنا الأولى هي الوقت ونوعية الإنجازات. ولهذا السبب، سيتم حشد القدرات الضرورية حتى خارج حدودنا مع منح امتياز للمؤسسات الأجنبية التي ستقبل إرفاق إنجازاتها باستثمارات محلية.

أما الآن، فإني أود أن أمدكم ببعض الـمعطيات فيما يتعلق بأهداف البرنامج الخماسي.

أولاً، إن هذا البرنامج سيمكّن بلادنا من استحداث مليونيْ منصب عمل بمختلف أنواعها، وكذا، الاستجابة لحاجيات السكان في شتى الـميادين، سواء تعلق الأمر بالسكن أو الصحة أو بالتعليم، كما سيسمح أيضا، بتعزيز الـمنشآت القاعدية للبلاد سواء ما تعلق منها بشق الطرق، أو تحديث شبكة السكك الحديدية أو تعلق مثلا بالـموارد الـمائية.

 
ثانيا، سيضفي هذا البرنامج طابع الأهمية على تحقيق تنمية أكثر للمناطق الـمحرومة، وكذا، التقليص من حدة النزوح الريفي، وسيساهم في الشروع في تجسيد سياستنا في مجال تهيئة الإقليم ولاسيما مناطق الهضاب العليا والجنوب. إن الإمكانيات متوفرة لدعم تنمية الـمناطق الـمحرومة، وسيتم وضع آليات انتقائية للتشجيع، وتوجيه الإستثمار نحو هذه الـمناطق، لكي لا تبقى مركزة فقط في الشريط الساحلي للبلاد.

ثالثا، إن مبلغ 4200 مليار دينار، أي 55 مليار دولار، من النفقات العمومية من شأنه أن يحفّز ويعزز الاستثمار الخاص، الوطني والأجنبي؛ ومن ثمة، فإنه من الـمنتظر أن يصل الحجم الإجمالي للإستثمار في الجزائر إلى 100 مليار دولار، خلال الفترة التي تتزامن مع مدة برنامج دعم النـمو.

رابعا: فإن البرنامج الخماسي يوفر حجما هائلا من الفرص والعمل للمؤسسات الوطنية التي عليها أن تسعى إلى الإستفادة منه، عن طريق بذل الجهود الضرورية لعصرنتها لكي تستعد إلى منافسة الأجانب بالجزائر وخارج حدودنا.

صحيح أن البعض يعتبر أن عصرنة الـمؤسسات تتطلب دعم الدولة. وفي هذا الصّدد، أود أن أؤكد هنا، بأن الحكومة، التي تجند حاليا إمكانيات ووسائل الدولة لدعم الـمؤسسات، هي في كامل الإستعداد لتسخير الـمزيد من الأموال لهذا الغرض.

إن آليات ضمان القرض للمؤسسات الصغيرة والـمتوسطة في متناول مقاولينا. كما أن الإمتيازات الـمتنوعة للاستثمار سيتم تعزيزها بشكل أكبر، في الـمناطق الـمحرومة. وبنفس الكيفية، ستتحسن كلفة القرض بفضل السيولة الـمتوفرة، واستقرار النقد، وكذا، بفضل التدابير التي تعتزم الحكومة اتخاذها لهذا الغرض ذاته.

وفي ذات الوقت، على الـمقاولين أن يبادروا ببرامج العصرنة والتأهيل التي يتحملون وحدهم مسؤوليتها. كما إنه من واجب الـمستثمرين اعتماد خيارات مشجعة على إحداث التكامل الصناعي حول الإنتاج الـمحلي بغية تثمين قيمته الإضافية وتحسين جـدواه للسماح له بالدخول في معركة الـمنافسة في السوق الدولية.

ـ السيد الرئيس،
ـ أيها النواب الأفاضل،
ـ أيتها السيدات، أيها السادة،

إن القدرات الـمالية التي رصدتها الدولة في خدمة التنمية على مدى السنوات الخمس، لا يمكن أن تضمن وحدها الإقلاع الحقيقي لاقتصادنا، بوصفه هدفا إستراتيجيا يتطلب أيضا تغييرات عميقة.

وبطبيعة الحال، فإنه من ضمن هذه التغييرات توجد العديد من الإصلاحات التي ينادي بها الجميع، سواء تعلق الأمر بالـميدان الـمصرفي، أو الإدارة، أو العدالة، أو غيرها من الـمرافق العامة. وانطلاقا من النتائج التي تحققت فعلا، في هذا الـميدان، فإن الحكومة تجدد لكم التزامها بالعمل على الـمضي قدما في هذه الإصلاحات والانتهاء من بعضها على الـمدى القصير.

 
غير أن هذه الإصلاحات الهيكلية يجب أن تصحبها تحولات أخرى من أجل كسب معركة الـمنافسة في السوق العالـمية. وأود هنا أن أذكر بعض هذه التغييرات.

في الـمقام الأول، يجب علينا الحفاظ على الـمزايا الـمقارنة لاقتصادنا وتطويرها، ومنها كلفة اليد العاملة. إنه رهان يمكننا كسبه إن نحن انـتهجنا سياسة أجور معقولة، تتقدم، على غرار ما هو سارٍ في بلدان العالم، حسب مقاييس النمو والتضخم وكذا الإنتاجية. ومهما يكن من أمر، فإن هذا الخيار قد حسم على مستوى مجلس الوزراء، في شهر سبتمبر الـماضي.

وفي الـمقام الثاني، يجب علينا تأهيل مرافق دعم الاقتصاد. وسأوضح ذلك من خلال بعض الأمثلة الـملموسة.

هكذا، فإن موانئنا لا ينبغي أن تظل على وضعها الحالي الذي يجعل تكلفة نقل حاوية واحدة، بين أوروبا والجزائر، تـبلغ 1000 دولار، في حين لا تـبلغ بين الولايات الـمتحدة وأوروبا إلاّ 400 دولار، مع ضعف الـمسافة. وهذا ما جعلنا نعمل على جلب شركاء أجانب، من ذوي سمعة عالـمية، لنمنحهم امتياز تسيير موانئنا.

وهكذا أيضا، فإن النقل البحري أو الجوي لبضائعنا يجب أن يكون قادرا على خدمة صادراتنا، وهو ما ليس متاحا في الوقت الحاضر. ولذلك نعمل على جلب شراكة في هذا الـميدان، مع استعدادنا حتى إلى بيع حصة واسعة من أسهم شركاتنا الـمعنية.

وبهذه الطريقة نفسها يتعين على بنوكنا أن تكون فعالة وتندمج أيضا في الدائرة الـمصرفية العالـمية. ولذلك شرعنا في عملية تحضير فتح رأسمال أول بنك عمومي، ونعتزم التوسع في هذه الـمقاربة.

وفي الـمقام الثالث، يجب أن تتخلّى الدولة عن تسيير النشاط الإنتاجي، باستثناء بعض القطاعات الإستراتيجية مثل الطاقة. وسوف يتواصل مسار الخوصصة الذي تم الشروع فيه، والذي سيشمل 1200 مؤسسة عمومية تم إحصاؤها لهذا الغرض.

وفي إطار هذه الخوصصة وهذه الشراكة، ستظل الدولة حريصة على الـحفاظ على مناصب الشغل الـموجودة حاليا، وكذا على استحداث مناصب شغل جديدة، كما سيسمح نفس هذا الإتجاه، بتفرغ الدولة لترقية الإستثمار والـمزيد من الدعم للمؤسسات الفاعلة بعدما جندت خزينة الدولة لعدة سنوات مئات الـملايير في عمليات التطهير الـمالي للمؤسسات العمومية.

وفي الـمقام الرابع، يجب أن تحرص الدولة على محاربة تبذير الـموارد الوطنية، ومنها الـمالية. ويعد الـمجال الـمرتبط بالـمياه خير مثال يمكن الاستدلال به في هذا الـموضوع.

بالفعل، وحتى الآن، تتعرض الـمياه، رغم ندرتها، للتبذير عند استعمالها من جراء وضعية شبكة القنوات، وكذا للتبذير الـمالي من خلال عدم دفع الكثيرين ثمن استهلاكهم للمياه.

وفي مثل هذه الوضعية، فإن الجميع يقر بأن الـماء الـمنتوج عن طريق التحلية، والذي سوف يتم إنتاجه عن قريب بكميات كبيرة، ولفائدة الـمواطنين، لا يمكن أن تطبق بشأنه نفس السياسة نظرا إلى كلفته الـمرتفعة. وهذا ما جعلنا من الآن، نعمل على تعبئة شركاء ذوي سمعة عالـمية للقيام بتسيير شبكات توزيع الـمياه في مختلف مدن بلادنا.
 
وفي المقام الخامس والأخير، ومن خلال كل هذه الخيارات، فإن الدولة تعتزم توجيه قدرات الإدارة العمومية نحو مهمتها الأساسية، كمرفق عمومي، في مجال الضبط والرقابة، كما تعتزم توجيه الـمزيد من الـموارد الـمالية العمومية نحو التكفل الأمثل بالتضامن الوطني الذي سيظل خيارا أساسيا في البلاد، في إطار مبدإ العدالة الاجتماعية.

إن مثل هذه الخيارات والتحولات ليست تنازلا عن السيادة الوطنية، ولا تراجعا عن الروح الوطنية، ولا هي مساس بهويتنا الوطنية. إنها خيارات وتحولات قامت بها قبلنا بلدان عديدة في جنوب الـمعمورة، منها دول ذات توجه شيوعي، ومنها كذلك بلدان عربية شقيقة التي أنجزت مثل هذه الإصلاحات بنجاح معتبر .

ونحن مقبلون على هذه التحولات في تسيير أمورنا، يجب علينا كذلك أن نتمعن في واقع القارة الأوروبية الـمجاورة والـمتقدمة اقتصاديا، لنسجل بكل تبصّر واقعين هامين: أولهما أن حقائق السوق العالـمية فرضت نفسها وحفزت البحث على قدرات الـمنافسة؛ وثانيها أنه حتى تداول التيارات السياسية على السلطة في العديد من دول أوروبا، لم يأت بأي تغيير يذكر في تجسيد الإصلاحات، وخاصة الإقتصادية التي أصبحت لا مفر لأحد منها في عالم اليوم.

أما نحن يجب أن نقر نهائيا بأن الجزائر لا يمكن أن تعيش في معزل عن بقية العالم، ولا يجوز لها أن تجر شعبها مرة أخرى، نحو الأوهام التي كلفتنا ثمنا غاليا بالأمس القريب جراء تغليب ثقل الإيديولوجية على خيار التحول نحو النجاعة النافعة.

إن الإصلاحات والتحولات التي تجري في العالم، ستتجسد كذلك في الجزائر، بنا أو على حسابنا. ولاشك أن تعزيز الإجماع الوطني حول هذا الإتجاه من شأنه أن يعجل بوتيرة هذه التحولات في كنف الإستقرار الإجتماعي، ويجعلنا بذلك، على مقربة من فوائدها على بلادنا. وإن الحكومة تناشد الجميع إلى تحقيق هذا الإجماع الوطني وإلى تغيير الذهنيات، وهو النداء نفسه الذي كرره السيد رئيس الجمهورية إلى القوى الإجتماعية والسياسية للبلاد لتكريس هذه الوثبة.

لقد قامت الحكومة بحمل هذا النداء إلى شركائها الاقتصاديين والاجتماعيين في إطار الثلاثية، ونادت بهذا الإجماع الذي سيتحقق في العقد الوطني الاقتصادي والاجتماعي، الذي سيدون مساهمات كل طرف والنتائج الـمرتقبة منها في فائدة كل طرف وفي فائدة الجزائر عامة. وهو النداء نفسه الذي أتوجه به إليكم، حضرات النواب الأفاضل، ضمن احترام آرائكم وصلاحياتكم؛ نداء من أجل خير الجزائر وسعادتها.


ـ السيد الرئيس،
ـ أيها النواب الأفاضل،
ـ أيتها السيدات، أيها السادة،

لقد عكف السيد رئيس الجمهورية، في ظلّ عودة الأمن، وبإرادة حازمة، على تعبئة الـموارد الوطنية وتجنيد طاقات بلادنا، من أجل خدمة مسار التقويم والتنمية اللذين لم يسبق لهما مثيل في تاريخ وطننا، وهو الـمسار الذي انطلق بعد عشرية من المآسي والأحزان.

 
لكن وزيادة على البرامج والإنجازات، فإن هذا الـمسعى الذي يكرس رئيس الدولة كل ما في وسعه، من أجل تحقيقه ميدانيا، هو سعي لبناء جزائر العزة والكرامة؛ سعي لـمستقبل يرتكز على السلم الـمدني، والـمصالحة الوطنية، ويرمي إلى تنمية حقيقية لوطننا الـمفدى ولشعبنا الأبي.

وقد يبدو مستقبل العزة والكرامة هذا، للبعض الذين يساورهم التشاؤم، مجرد حلم لا أكثر، وتناسوا أن الحلم كان رفيقا دائما لـمسار الدول التي بلغت اليوم، ذروة التنمية والقوة عالـميا.

إن الجزائر تـملك من الوسائل ما يجعلها تبلغ مستقبل العزة والكرامة الذي بدأ يتحول، تدريجيا، من حلم إلى واقع ملموس. وإن التحقيق الكامل لهذا الـمبتغي النبيل، لا يتطلب سوى التحلي بالشجاعة التي ميزت أمتنا عبر التاريخ؛ ذلك التاريخ الذي صقل إرادتنا وعززها في الـمحن.

كما إن التجسيد الكلي لجزائر العزة والكرامة، يتطلب منا الـمثابرة في الجهد، وهي من شيم شعبنا الذي سما بها إلى حد التضحيات الجسام لكي تتحرر بلادنا ولكي تبقى واقفة وشامخة.

وعلى هذا الأمل في مستقبل بلادي، بلادنا جميعا، أختتم كلمتي هذه، شاكرا لكم كرم الإصغاء.

والسلام عليكم ورحمة الله.